بين الإنسانية وقتلها يوجد قبر لضمير

blogs - syria

في المجتمعات التسلطية لا تحتاج إلى أن تفكر أو تبدع، تحتاج فقط إلى لسان يزخرف الكلم وفؤاداً أبكم أصم وضلع لا تمر من خلاله مكنونات صدرك الغارقة في الصدق والحق، ولو صادفت أحدهم وشققت عن صدره لرأيت ضلوعه تغشاها خيوط العنكبوت يقبع بداخلها ضمير أمة معذب يشد لسانه إلى حلقه حتى لا ينطق بالصدق والحق والعدل، فالصدق في تلك المجتمعات مهلكة والحق إذا ما صادق اللسان أحاله إلى مشنقة.

في المجتمعات التسلطية العدل مسجون والحق مقتول والطهر مرجوم، والحكمة ما نطق بها سيدنا المطاع، والحرية نير وعبودية، والعبودية فخر وعز، والخائن مؤتمن، والأمين مقصيٌ ومنبوذ تلاحقه صبيان الباطل في طرق الحقيقة اللا مساس.

في المجتمعات المتسلطة يعاني سحرة فرعون وأرباب الشاشات الزرقاء من الأمراض النفسية وانشقاق الهوية وقرح في الضمير، وسوء المهدئات التي لم تعد تفلح معهم

في المجتمعات التسلطية الفطرة انتكاس، والانتكاس فطرة، والعقل نعل هالك لا حاجة له، فالرؤوس الفارغة منه مرتاحة وغيرها في شقاوة وتعاسة، والمتسلط لا يريدك مفكراً، لا يريدك مبصراً، لا يريدك مثقفاً، هو يريدك أعرج، واه، متسول على ناصيته محتاجاً إليه فقيراً إلى فتاته، ناطق بما يقول، مبصراً ما يري، منتهج نهج أولئك الغابرين عندما أطاعوا فرعون وهو يستخفهم، ويذبح أبنائهم، ويهتك أعراضهم، ويتخذ من قلوبهم فرشاً لكهنته وسحرته يقيمون فيها صلاتهم له، ويقتلون فطرتهم السلمية، ومن قاومهم، سجنوه قتلوه أو نفوه أو أطلقوا خلفه صبيان باطلهم، أن لا مساس، شاعر، مجنون، مفتون والقول ما قال سادتهم الغابرين "وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ"(127 سورة الأعراف).

في المجتمعات التسلطية الأكف مسخرة للدعاء "لفرعونها" والقلوب ساخطة سوداء متعفنة تسأل الله الخلاص، والجدران تنكر صوراً "لفراعين" قد اتخذت منها معبداً ومصلى، الأقلام تمدح، والصحف تراقص الخيانة والكذب والأرواح كمسوح بالية معلقة بالغياب، تنكر أصحابها وتشتهي الفراق القريب، حتى الوسائد تود لو أنها حملت ثقل أحد قطرانا ولا حملت لظالم رأس.

في المجتمعات المتسلطة يعاني سحرة فرعون وأرباب الشاشات الزرقاء من الأمراض النفسية وانشقاق الهوية وقرح في الضمير، وسوء المهدئات التي لم تعد تفلح معهم، وشح في حبوب النفاق والكذب، وغلاء أسعار أقنعة الوهم و والنفاق، فالواحد منهم ما إن يخلع عن وجهه قناع حتى يبرز عنه آخر، ولكل سيد قناعه الخاص به. ولو رآهم سادتهم الغابرين لاندهشوا من نفاقهم وإتقانهم لترويج كذبهم وغشهم ولسألوهم الفقه والعلم.

في المجتمعات التسلطية ليس الشأن في الصراع إلى أي مدى ستبقى بل إلى أي مدى ستصمد إنسانيتك، فهم يجرونك إلى مستنقعهم الآسن، صراعاتهم "العفنة"، يشدون قلبك إلى حاوية نفايتهم حيث ترقد جيفة لقلوبهم قد نتنت، يسألونك أن تذبح قلبك وتثنيه بضميرك، يحاولون مسخ قلبك لتشبههم، يغوون لسانك لينطق بلغتهم ويعزف على أوتار النفاق والغواية.