نقتل أنفسنا ونتهم الغرب

منذ تنفسنا هواء الحياة في أوطاننا العربية ونحن في صراع مع الزمن والذات والتاريخ، لم نتخلص بعد من مشاكل الماضي واختلفنا عليها، والأنكى أننا استحضرناها لواقعنا لتُشكل سببا إضافيا لمشاكلنا وصراعاتنا اليومية.

لم نعرف كعرب كيف نتخلص من تبعات الماضي، بل عشنا في عقدة مزمنة معه جلبت الويلات علينا وجعلتنا في مؤخرة الأمم على كافة المستويات. ونحن اليوم أمام مشهد مأساوي نندب نتائج خطايانا التي اقترفناها، ونتهم الغرب بها، فهو أفضل عذر للتغطية على مشاكلنا وأسبابها.

ننظر إلى واقعنا العربي ونتألم من الحروب والدماء والمجازر التي هدمت البنية التحتية والفوقية لمجتمعاتنا، ونسفت فكرة التلاقي مع مكونات عرقية ومذهبية مختلفة عنا، وحولت حياتنا إلى جحيم.

معالجة السبب لا النتيجة
والأزمة مستمرة في كافة الاتجاهات الفكرية والثقافية والعلمية والسياسية، وهي تتفاقم يوما بعد يوم، ولا نزال عند صياح الديك في كل صباح نلعن الغرب على الحياة التي نعيشها.
وحدها التكنولوجيا الحديثة من ساهمت في تسريع لعناتنا، فاستخدمنا وسائل التواصل الاجتماعي كأداة لمهاجمة وتكفير بعضنا البعض، ولم نتجه نحو حوار بناء ينهض بأوطاننا العربية.

لا نزال نعالج نتائج أفعالنا ونستحي أن نناقش أسبابها لأنها مرتبطة بتاريخنا، وعندما نتحدث عن التاريخ فإننا نتحدث عن "مقدس" ممنوع المساس به أو التعرض له، فهل فكرنا في نقاش هذا التاريخ ومدى صدقه أو كذبه؟ وما المانع من ذلك؟

سنصطدم حينها بجدران "الممنوع"، و"الحرام"، و"الخط الأحمر"، وستبقى المشاكل ذاتها.
حسنا! لماذا لا نتجاهل هذا التاريخ وننظر نحو المستقبل برؤية طموحة تبني مجتمعاتنا العربية على أسس العدالة والأخلاق والعلم والثقافة؟

ولماذا لا نتفق على مشتركات تاريخنا العربي وصفحاته المشرقة، ونغض النظر عن محطات الخلاف فيه؟ هي أسئلة كفيلة بأن تضعنا على السكة الصحيحة نحو مستقبل زاهر لنا وللأجيال القادمة. أما أن نبقى ننظر للتاريخ من زاوية مصالحنا ومذاهبنا الدينية والسياسية فسنبقى حينها حيث نحن.

الغرب مسؤول أيضا
ولا شك أن للغرب دور في ما يحصل، ولكن هذه المشاكل في أساسها من نتائج أفعالنا. فالغرب يستفيد من أخطائنا وصراعاتنا وانقساماتنا، لكنه لا يتحمل مسؤولية حصولها. نحن وحدنا من نتحمل المسؤولية وإن لم نلتفت لذلك فنحن نضحك على أنفسنا وسنبقى نراوح مكاننا.

لا بد من خطوة جريئة في الاتجاه الصحيح لبناء مرتكزات فكرية جديدة وتغيير نظرتنا للحداثة وخلق فهم جديد يتقبل ما هو مختلف عنا، وهذا الفهم يجب أن يتماشى مع تقدم الزمن وسرعته قبل أن يفوتنا القطار. فمعركة الإنسان منذ البداية كانت مع الوقت، ومن يعادي الوقت والزمن يخسر في لعبة التاريخ وامتحان الحضارة.

هل نستطيع كعرب أن نتخذ قرار معالجة مشاكلنا وتحمل مسؤولية أفعالنا، أم نحن بحاجة للغرب ليفكر عنا ويتخذ القرار نيابة عنا؟!

عقدة النقص
ننظر إلى واقعنا العربي ونتألم من الحروب والدماء والمجازر التي هدمت البنية التحتية والفوقية لمجتمعاتنا، ونسفت فكرة التلاقي مع مكونات عرقية ومذهبية مختلفة عنا وحولت حياتنا إلى جحيم.

كل هذا الخلاف والاختلاف ولد الحروب بدل أن يولد أفكارا جديدة تغذي مجتمعاتنا بالعلوم والفكر، وكل هذه الدماء هي ترجمة لعقدة النقص فينا أمام تخلفنا في عالم الحضارة اليوم فنترجمها قتلا لأخينا في الوطن والمجتمع.

الخلاص
فخلاصنا يبدأ بثورة حقيقية نمارسها على ذاتنا وطريقة تفكيرنا ونوايانا السوداء، وأن نؤمن بالتسامح والعدل والانفتاح. وطريق خلاصنا بدايته عندما نتخذ قرارا مناسبا يبدأ من منزلنا وقريتنا حتى يصل إلى الوطن أجمع بأن نؤمن بقدرتنا على الإنجاز والابتكار، وأن نعيش ولو لمرة واحدة حالة نكران مع تاريخنا الأسود، ونتمسك بتاريخنا الأبيض لنبني على أساسه مستقبلا زاهرا يضعنا في مقدمة الأمم.

خلاصنا يتحقق عندما نؤمن بأننا نستطيع أن نعالج مشاكلنا بأنفسنا ونتحمل مسؤولية أفعالنا ولا نرمي بها على الغرب كذريعة لقتل بعضنا البعض. هو قرار كفيل بتغييرنا نحو الأفضل، فهل نستطيع كعرب أن نتخذه أم نحن بحاجة للغرب ليفكر عنا ويتخذ القرار نيابة عنا؟!



حول هذه القصة

دعا اتحاد الصحفيين العرب المؤسسات الصحفية العربية للقيام بواجبها في الحد من ثقافة الكراهية والفتنة الطائفية والمذهبية، معربا عن إدانته لأعمال القتل والذبح والحرق التي تقوم بها “التنظيمات الإرهابية”.

11/2/2015

بحثت حلقة “في العمق” مشكلة الطائفية التي تعصف بالمنطقة العربية، وتساءلت كيف استطاعت السياسة العربية توظيف الطائفية بصراعاتها؟ كما تاقشت أثر الأزمات الإقليمية على الهويات الثقافية بالمجتمعات العربية.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة