فخُّ العبثيَّة

مشينا الهوينى إلى ذلك الفخِّ العبثيِّ؛ الذي تعاضدتْ كُلُّ معطياتِ العصر لتفتحَ هوَّتَهُ في دربنا الطويل، هذا ما تردَّدَ في خلدي بعد مشاهدةِ فيلم "هانيبال رايزينغ"؛ كانت نظراتُ هانبيال الحازمةُ واللامبالية.. تصرفاتُه العبثية.. وحسُّه الانتقاميُّ جميعًا ينعكسون في كلِّ ما أراه.

 

الفيلم يتحدَّث عن فتى من ليتوانيا إحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتي سابقًا عاينَ المذابحَ التي ارتكبها الجنودُ النازيُّون في الحربِ العالمية الثانية ثم  فَقَدَ أمَّهُ وأباه، ووقعَ مع أخته الصغيرة بقبضةِ جنودٍ دفعهم الجوعُ الشَّدِيدُ والبردُ إلى أكل أخته، وكان الفيلم عرضًا لرحلة منتقمٍ من أَكَلَةِ الأخت، لا يبالي بالحياة حولَه إلا ما يُهَيِّء انتقامَه ليكونَ على أكملِ وجه، وفي النِّهاية يتبيَّنُ أَنَّ ذاك الانتقام هُوَ فِي وجهٍ مِن وُجوههِ محاولةُ تَطهيرٍ من الذَّنْبِ؛ إِذْ شَاركهم هانيبال بأكلِ أُختِهِ!

 

المصيبة تكمن في الإغراقِ بالعبثية وبسؤال الجدوى وبعدم ترشيد هذا السلوك ليكون بَنَّاءً لا هادمًا للإنسان الذي هو وسيلة وغاية كل شيء

حَدَا بي الفيلمُ إلى القراءة عن المذهبِ الأدبي – فالأدبُ انعكاسٌ – الذي انتشرَ عَقِبَ الحرب العالمية الثانية، وعن شخصيات ِذلك الأدب نفسيًّا وسلوكيًّا، حيث كانت الحربُ العالميَّةُ الثَّانية حاضنةً خصبة لنشوء الاتجاه العبثي في الأدب، ذاك الاتجاه الذي تتَّسمُ شخوصُه أحيانًا بنفسيَّةٍ بليدة لا مباليةٍ بالأحداث الأساسية؛ تلتفتُ عنها إلى تفاصيلَ بلا قيمة، كما كان بطلُ رواية الغريب لألبير كامو في حدثِ موتِ أمّهِ الذي لم يزعجه فيه إلُّا قلَّةُ النَّوم عشيةَ موتها وأشعةُ الشمس غداةَ دفنها، وعند ضلوعه بجريمةِ قتلٍ كانت مبرراته لنفسه جاهزة، وأثناء التحقيق شغلته حرارةُ غرفة التحقيق عن فداحة جرمه!

 

هذه النفسية التي تجعل صاحبها فاقدًا قيمةَ الأحداث الوجودية، ومعنى الحياة الحقيقي.

ولم يكن جان غرونوي  بطلُ رواية العطر لباتريك سوزينكد بمنأى عن هذا؛ حيثُ تعرّى من قيمتي الخير والشر لا مبالٍ بالإنسان في سبيل أن يحقق ما يريد، بعد أن أتى سِفاحًا من الطبقة الدونية في باريس منبوذًا بين أقرانه في الميتم ممتلكًا قدرة على الشَّم عجيبة جعلت حياته بين الدَّبّاغين مثيرة، وعند انجذابه لرائحة فتاة لم يستطع إشباع حاسة شمّه منها إلا بقتلها؛ إذ حدَّد جان بوصلته بصنع عطورهِ من رائحة أجساد العذراوات، والمفارقة أن جسد جان لا يفرز رائحةً وهو الذي لا يدرك الوجود إلا بالشَّم، لم يكن القتل وزهق الأرواح بتلك الأهمية عنده طالما أنَّهُ يحقِّقُ رغبةً.

 

وصنْعُ صيموئيل بيكيت في مسرحيته "في انتظار غودو" يُصنَّف ضمن باب العبثية؛ إذ تدور أحداث المسرحية في مكان قرَّر أن ينتظر فيه كلٌّ من استراجون وفلاديمير = غودو المُخلِّصَ الذي لن يأتي، والسؤال الأول والأخير الذي شغلهما كان: كيف سيقضيان الوقت بانتظاره؟

استسلم البطلان للمخلص وبدأ كل منهم يأكلُ عمرَهُ في انتظار قدومه، لم يكن العمر وطول الانتظار مهمَّينِ، طالما أن التفكيرَ معلّقٌ بالمخلِّص الوهم!

 

فإفرازات الحروب إذن ساهمت في تكوين إنسانٍ قلقٍ وجوديًّا غير مكترثٍ بقيمة الحياة غير عابئ بجدواها، هذا القلقُ جعله غير مبالٍ بالحوادث المتراقصة حوله لما يستكّن بها من عبثية، أو غيرَ آبهٍ بالوسيلة طالما أنها تؤديه به الغاية، أو لا مكترثٍ بعمره المتقاصر أمامه.

 

هذه العبثيّة العمليّة المتجسّدة في مظاهرَ سلوكيّةٍ معيَّنةٍ ما هي إلَّا انعكاسٌ لحالةِ الحربِ التي أشرِبتها القلوب التائهة وامتزجت بها الأرواح الباحثة عن اللاشيء؛ فالطغيان البشريّ وانهماكه بالقتل والتدمير ونشرِ الفوضى غير المجدية يجعل من الحياة في نظره ونظر الآخر عبثًا هباءً تُدمِّرُهُ بسهولةٍ شهوةُ السيطرة ، فليس بِدعًا والحال هذه أن تطفو على سلوكاتنا نحن  من حيث ندري أو لا ندري تصرفات تنبئ بانزلاقنا إلى فخ الشعور بالعبث الوجودي؛ فما شهده شباب الربيع لا يقلُّ فداحةً عمّا شهده الناس في الحربين العالميتين الأولى والثانية وتشابُه المقدمات يُنذرُ بتشابُهِ  النتائجِ، وحركةُ التاريخِ تؤكّد اطّرادَ مآلاتِ أحداثها المتشابهة لتغدوَ قانونًا عبّر عنه البيانُ الإلهيّ بكلمةِ (سنّة الله)؛ أي: قانونُه الثّابت غير القابل للتّبديل، عند الحديث عن تواريخِ الأمم وتشابه النتائج عند تطابق المقدّمات؛ قال تعالى: (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا)

 

فشباب الربيع العربي اندفعوا نحو الموت ثائرين "محترقين بنار الرغبة في الحياة الحقة، محرومين من الكينونة" لا سيما أن "الثورة محاولة (لتفوّقِ) الفعل على الفكرة ولصياغة العالم في إطار نظري .. لهذا السبب يقتلُ التمرُّدُ أناسًا.. أَما الثورة فتهلك أناسا وتهدم مبادئ في الوقت نفسه " وأمام هذا الموت الذي لا محيد عنه يتغوَّلُ شعور شبابنا بالاغتراب عن العالم وفيه، وباكتشاف أن الوقت هو عدونا الأصعب، و"حقيقة الموت بدورها تكشف لنا عبثيةَ الحياة والعقلُ بطريقته الخاصة يقول لنا إنَّ هذا العالم عبثي" كما يقول كامو؛ عبثيٌّ جدًّا.

 

تولِّدُ التحولاتُ الفكرية حالةً عبثية؛ ففي نظرةٍ عجلى إلى أدبنا العربي القديم نجدُ هذا طافيًا قولًا في بعض شعر المتنبي والمعرّي، وسلوكًا عند أبي نواس

ومع يقيننا بأنَّ الوقوع في فخِّ العبث لا يكون اختياريًّا كونه منتجًا من منتجات الحروب والأزمات العميقة والتحوُّلات الفكريّة المفاجئة والصّادمة إلَّا أنّ المصيبة تكمن في الإغراقِ بالعبثية وبسؤال الجدوى وبعدم ترشيد هذا السلوك ليكون بَنَّاءً لا هادمًا للإنسان الذي هو وسيلة وغاية كل شيء، فبالنهاية الحياة مزيجٌ من المتناقضات والكيِّسُ الفطنُ هو مَن يُتقن العيشَ على هذه المتناقضات والعزفَ على أوتارها بإحكام، وعلى كلٍّ منَّا أن يختار لنفسه معركةً صغيرة في هذه الحياة تصبُّ في معركتنا الكبرى كي نجدَنَا ونعرفَنا، وأن يثبتَ على جبهة هذه الحرب مجيبًا بها عن سؤال الجدوى والقيمة ومتغلِّبًا على شعور العبثية، هذا الشعور الذي لا بُدَّ منه في ظلِّ العذاب والظُّلم الباقيان ولو بقاء محدودًا فضيحةً للإنسانيةِ أينما كانت؛ كما يرى كامو .

 

وقد تولِّدُ التحولاتُ الفكرية حالةً عبثية؛ ففي نظرةٍ عجلى إلى أدبنا العربي القديم نجدُ هذا طافيًا قولًا في بعض شعر المتنبي والمعرّي، وسلوكًا عند أبي نواس الغارق في بحورِ الخمرةِ والمسلوب بأنواعها.

 

وفي الجاهلية سبقَ يومَ ثأر امرئ القيس يومُ خمرةٍ استهلَّ به طريقَه الطويل، وفي درب الثأر التَّعِبِ ربَّتَ امرؤ القيس على كتفِ صاحبه، وجعلَ اجتراح الطريق مرهونًا بمحاولة المُلك أو العذر عند الموت دونه، كان امرؤ القيس شبيهًا بصاحبنا هانيبال في البحث عمّا يُطهّره من الذَّنب، كان ساعيا للنيل غير مبالٍ إذا لم ينل:

 

بَكَى صَاحِبِي لَمَّا رَأَى الدَّرْبَ دُونَهُ … وَأَيْقَنَ أَنَّا لَاحِقَانِ بَقَيْصَرى 

فَقُلْتُ لَهُ لَا تَبْكِ عَينُكَ إِنَّماَ …  نُحَاوِلُ مُلْكًا أَوْ نَمُوتَ فَنُعْذَرَا



حول هذه القصة

اعتقلت قوات الأمن التركية 113 شخصا من حزب الشعوب الديمقراطي بينهم قيادات، وذلك للاشتباه في صلتهم بمسلحي حزب العمال الكردستاني الذي أعلنت جماعة كردية مقربة منه مسؤوليتها عن تفجير إسطنبول.

12/12/2016

اشترت شركة الطاقة الروسية العملاقة “روسنفت” حصة تبلغ 30% في امتياز “شروق” البحري المصري الذي يضم حقل ظُهر العملاق للغاز الطبيعي مقابل 1.125 مليار دولار من شركة “إيني” الإيطالية.

12/12/2016
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة