دواء السكّري.. بين الحقيقة والوهم!

شُغل الرأي العام الجزائري هذه الأيام بدواء السكري الجديد RHB الذي روّجت له وسائل الإعلام الجزائرية المنتوج بين قوسين من اكتشاف توفيق زعبيط الذي قدّم نفسه للجمهور الجزائري على أنه طبيب تخرج في معهد الطب بلوزان السويسرية، وقدّم في البداية لدوائه الذي قال أنه جاء نتيجة سنوات طويلة من البحث المضني والشاق وعلى أنه دواء يقضي على مرض السكري نهائيا، وأن المريض سيُشفى تماما خلال أجل أقصاه عشرة أيام..
 

هذا التصريح الذي أدخل الأمل في نفوس المرضى والذين قدّر عددهم حسب إحصائيات وزارة الصحة بأكثر من أربعة ملايين مُصاب بمرض السكري، لكن ما لبثت سُحب الآمال تلك أن انقشعت حين تراجع زعبيط عن تصريحه الأول وأكد أنه ليس دواء بل هو مكمّل غذائي فقط يوفر الراحة للمريض ويعدل نسبة السكر بطريقة جيدة ويقضي على 80٪ من التعقيدات التي تصاحب مرض السكري والمشاكل القلبية الخطيرة التي تنجم عنها بتر الساق.
 

وزير الصحة عبد المالك بوضياف صرح لوكالة الأنباء الجزائرية أن خلطة RHB مجرد مكمل غذائي ليس له علاقة بوزارة الصحة معربا عن أسفه من طريقة تسويق المكمل على أنه دواء

الدواء ورغم أنه لم يخضع إلى المراقبة من طرف المخبر الوطني لمراقبة الأدوية ورغم انقسام الناس فيه إلى فريقين: فريق من الناس وأكثرهم من أهل الاختصاص يستنكر بشدة تجريب الدواء مباشرة على الإنسان واعتبروا ذلك من التجاوزات التي لا يمكن تجاهلها، وفريق يرى أن أي محاولة لمنع هذا الدواء هي محاولة لقص جناح الناجحين الجزائريين بصفة خاصة والعرب بصفة عامة وعزاؤهم في ذلك قول أحمد زويل "الغرب ليسوا عباقرة ونحن أغبياء.. هم فقط يدعمون الفاشل حتى ينجح.. ونحن نحارب الناجح حتى يفشل ".
 

برغم كل الزوبعة التي أثارها الموضوع خرج الدواء إلى النور وسُوّق عبر الصيدليات فشهد إقبالا كبيرا وجنونيا من طرف المرضى الذين يجرون خلف أي سراب علّهم يظفرون بحبل النجاة من هذا المرض المزمن الذي أرّقهم لسنين طوال، ولا أحد يلومهم فهم في النهاية كمثل غريق يتمسك بقشة مراهنا بأنها ستنجيه من الغرق.
 

الدواء وقبل أقل من شهر من بداية تسويقه وبحسب جريدة الحياة أنّ 15 شخصا على الأقل توقفوا عن تناول الأنسولين الخاص بالسكري وعوّضوه بالدواء الجديد تم إدخالهم إلى المستشفى بعد ارتفاع نسبة السكر في الدم، لكن تمّ التكفّل بهم بسرعة وأنقذت حياتهم وسجلت هذه الحالات في كل من قسنطينة وميلة والجزائر العاصمة وعنّابة.
 

وزير الصحة عبد المالك بوضياف صرح لوكالة الأنباء الجزائرية أن خلطة RHB مجرد مكمل غذائي ليس له علاقة بوزارة الصحة معربا عن أسفه من طريقة تسويق المكمل على أنه دواء، ثم فضّل الانسحاب من مرمى النيران وبكل بساطة ليصرّح ويُؤكد أن صلاحية تسويقه ومراقبته تعود إلى وزارة التجارة! فيما دعا رئيس فدرالية جمعيات مرضى السكري إلى سحب المنتوج فورا من الوكالات الصيدلانية.

بدوره المدير العام للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لغير الأجراء أطلق قنبلة من العيار الثقيل حين صرّح بحسب نفس المصدر السابق: "مكتشف دواء السكري بائع أوهام!" في الوقت نفسه طالب بعض الجزائريين من على مواقع التواصل الاجتماعي إلى فتح تحقيق في طريقة الترويج والتسويق والتي لم تخضع للمعايير العالمية. فكيف يُعقل أن يُروّج الدواء دون ترخيص، ودون تجريبه على الحيوانات من طرف أطباء وباحثين من مختلف التخصصات، ودون أن يمر على المخابر لمعرفة مدى نجاعته ومدى الآثار الجانبية التي قد تنجم عند استخدامه!أم أن حياة المواطن لم تعًد تهم أحدا؟
 

يجدر التذكير أن الاسم الذي روّج به الدواء حمل اسم "رحمة ربي" وهذا دليل على أنهم استغلوا إضافة إلى مرض المرضى عاطفتهم الدينية

يقول أدهم شرقاوي "الطب رسالة قبل أن يكون مهنة، ولا يمكن لرسالة أن تُؤدى دون أخلاق، فإذا كان من حق الطبيب أن يسعى إلى الثراء مثلنا جميعاً، فليس من حقه أن يجمع ثروته من أوجاعنا "، المنتوج ولأنه بقي مجهولا رغم تسويقه وتجريبه على المواطنين مما يُعد في عرف القانون استهتارا واستخفافا بحياة المواطن.
 

ينتظر الجزائريين فتح تحقيق في القضية التي أصبح فيها الإنسان في بلدي فأرا تجرّب عليه أدوية الآخرين دون أدنى مراعاة لشروط الصحة والسلامة، وكشف الحقيقة للرأي العام للوقوف على ملابسات جريمة بيع الوهم للجزائريين وحقيقة كل من ساند أو تستّر على الفضيحة التي خالفت كل الأُطر القانونية والصحية.. علّ المواطن يجد إجابة لكل تلك التناقضات التي لفّت الموضوع من كل جانب.

يجدر التذكير أن الاسم الذي روّج به الدواء حمل اسم "رحمة ربي" وهذا دليل على أنهم استغلوا إضافة إلى مرض المرضى عاطفتهم الدينية.. فأقحموا الدين في سبيل المتاجرة بآلام الشعب.. ولا أرى مقولة تنطبق على هذه الحالة خيرا من مقولة الساخر برنارد شو والتي أختم بها "كلما حدثني أحدهم عن الله تحسّست محفظتي".



حول هذه القصة

أظهرت تجربة أن دواء سيماغلوتايد التجريبي لعلاج مرض السكري يقلل خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية بنسبة 26%، ولكنه بالمقابل ارتبط بمعدل مرتفع من مضاعفات اعتلال الشبكية مثل العمى.

17/9/2016
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة