الخُنفشار

blogs- الإعلام المصري

هي كلمة تبدو غريبة لأول وهلة فإذا عرفت قصتها زال العجب بعد اتضاح السبب، فقصة هذه الكلمة تكاد تكون منطبقة تماما على الأبواق الإعلامية في مصر وما آلت إليه من انحطاط وتبعية مطلقة للآلة العسكرية الحاكمة في مصر وتبرير كل تصرفاتها وقراراتها على أساس أن القائمين على هذه الأبواق أوتوا العلم والحكمة والفهم ودونهم جهلاء.
 

دعونا نقص القصة أولا ونعقبها لاحقا..
قديما كان هناك رجلا في قرية بسيطة أهلها بسطاء. كان هذا الرجل يدعي الحكمة والفهم والمعرفة بكل شيء، فإذا سئل أجاب وأفاض في الإجابة على علم أو غير علم، فكان الناس يعجبون بمنطقه وطلاقة لسانه وسرعة البديهة في الرد. فكان ذاك الرجل يستقوي بالقليل من علمه على الكثير من جهلهم ويستعين بالقليل من معرفته على عدم معرفتهم أصلا. وكان في القرية بعض الشباب المثقف الذين يعرفون أن كلام هذا الرجل ما هو إلا تخاريف وسفسطة كلام وكذب محض وحذروا أهل القرية منه أكثر من مرة، ولكن أنى لهم الفكاك من سحر البيان وعذوبة اللسان إلا بالدليل القاطع والبرهان الساطع على جهل هذا الرجل وكذب ادعائه أمام أهل القرية جميعا.
 

الكذب يحتاج إلى مجهود جبار وعصر شديد لبنات الأفكار، أما الصدق فلا يحتاج إلى ذاك الجهد فهو مجرد إحساس يخرج من القلب ليمر على العقل لاختيار الألفاظ المناسبة والمعبرة عنه

لذلك اجتمع الشباب واجمعوا أمرهم على اختباره وكشف زيفه بحيلة محكمة، كانت الخطة أن يختار كل شاب حرفا عشوائيا لتكوين كلمة ليس لها معنى وسؤال الحكيم أو مدعي الحكمة عليها وكانت الكلمة هي "الخنفشار" نعم هذه الكلمة من بنات أفكارهم ولم ترد في معجم أو قاموس. وبالفعل توجهوا إلى الرجل وعلى مرأى ومسمع من القوم سألوه عن هذه الكلمة ما هو "الخنفشار"؟ وكانت الإجابة مذهلة فبدون تردد أو حتى ادعاء التفكير رد الرجل مسرعا: الخنفشار نبات ينمو في أعالي الجبال إذا أكلت منه الإبل عقد لبنها أو كما قال الشاعر: لقد عقدت محبتكم قلبي.. كما عقد الحليب "الخنفشار ".
 

إجابة جعلت حتى أصحاب الكلمة أنفسهم المجموعة حرفا حرفا يتسرب إليهم الشك.. هكذا يفعل الإعلام في مصر لا يعجزهم شيء ولا ينضب معينهم من الحيل والألاعيب والإبداع في التبرير لأفعال الحاكم مهما كانت واضحة الغباء وجلية الهبل.. البعض منهم يفعل ذلك خوفا من السجان أو من أجل نعيم وجنات زواتا أفنان، طمعا في النوال أو خوفا من الزوال.
 

ورغم أن تبريراتهم لكل كارثة تحدث تكون خيالية لدرجة البلاهة المتعمدة إلا أنه مما لا شك فيه أن هناك شريحة لا يستهان بها من الأنصار والمؤيدين لهذا النظام تصدق هذه الخزعبلات بل وتحفظها عن ظهر قلب لترد بها على المعارضين أو رافضي الانقلاب. من الناحية الأخرى هناك من يعرف كذبهم وافترائهم وغباء منطقهم في التبرير والرد ولا ينتظر تبريرهم بقدر ما ينتظر ما تتفتق عنه عقولهم الغبية الحمقاء من تفاهة وبعد عن المنطق ليكون هذا التبرير بيئة خصبة للسخرية واشتعال مواقع التواصل بتعليق المذيع الفلاني أو العلاني، لذلك أقول إن هذه التفاهة قد تكون متعمدة كوسيلة من وسائل الإلهاء..
 

وإليك وقعة على سبيل المثال لا الحصر -فالوقائع كثيرة-:
حينما مسح الدموع وزير الخارجية المصري في جنازة السفاح بيريز.. الكل انتظر التبرير الفائز والمميز الذي سوف تتفتق عنه عقول الإعلاميين، فمنهم من قال: أن أشعة الشمس هي من تسببت في ظهوره بمظهر الباكي "الشمس قورت عينه"، ومنهم من قال إن الغرض من البكاء هو تعذيب بيريز على غرار القول "أن البكاء يعذب الميت" وهم في الحقيقة يبذلون جهدا يستحق الإشادة في المحافظة على لقمة العيش واللهث وراء البيادات الثقيلة ليكونوا من المقربين وأصحاب الحظوة.
 

ذلك أن الكذب يحتاج بالفعل إلى مجهود جبار وعصر شديد لبنات الأفكار، أما الصدق فلا يحتاج إلى ذاك الجهد فهو مجرد إحساس يخرج من القلب ليمر على العقل لاختيار الألفاظ المناسبة والمعبرة عنه وتظهره أخيرا عفوية اللسان، كل ذلك في ثوان معدودات.. وأخيرا، دعونا نقول: ما أشبه "خُنفشار" الأمس بـ "خُنفشار" اليوم.