شعار قسم مدونات

إنهاء عقد عمل!

blogs - interview
نزل من سيارة الأجرة ثم أدخل يده في جيبه ليخرج بعض النقود التي بدت متهالكة ثم أعطاها للسائق الذي انصرف بدوره متذمرا..

رفع رأسه يتأمل لثوان في البوابة قبل أن يدخل كعادته في كل مرة.. ثم خطا نحو البوابة وقد رسم ابتسامة عريضة كالعادة أيضاً وألقى السلام على الحارس الذي بدا هذه المرة متجهما على غير عادته.. رد السلام ببرود وكأنه يراه للوهلة الأولى..

يبدوا أنه مهموم بأموره الخاصة هكذا برر ذلك الموقف ثم مضى في ساحة الشركة التي يعمل فيها منذ خمس سنوات.. لكنه اليوم وكأنه في يومه الأول التي وصل فيها هنا حاملا سيرته الذاتية..

هل كنت مضطراً لتحويلي إلى عدوٍ بعد أن كنت واحداً من فريق عملك؟ أطرق المدير خجلاً من تصرفه.. ثم تمتم.. نحن لم نكن نقصد.

لم يلتفت إليه أحد الجميع يولي بعيداً.. عامل النظافة.. سكرتيرة الشركة.. نادل القهوة.. الكل بدوا وكأنهم لم يعرفوه قط..

وقف لبرهة يحاول أن يفهم ما الذي يحدث.. هل حقاً أغضبت الجميع أم لدى الجميع فعلا ما يشغله عني!

تجاهل الأمر ومضى نحو قاعة كبيرة يقع مكتبه في آخرها.. رسم ابتسامة أخرى ثم ألقى التحية بنبرته الخاصة.. وقد تهيأ لمصافحة زملاءه فمنذ أسبوع لم يلتق بهم، لكن أحدا لم يتحرك من مكانه، فقط رد البعض التحية بينما آخرون انشغلوا بترتيب أرواق المكتب أو تصفح الهاتف كي يبدون منشغلين.

هنا أدرك خالد أن ثمة أمر ما وبدأ يجر خطى ثقيلة جدا نحو مكتبه وهو يتساءل يا إلهي.. ماذا صنعت.. قبل أسبوع فقط كان وجودي يملأ هذا المكان حيوية، يتكتل الجميع حولي نتبادل الضحكات والتعليقات الساخرة قبل أن نبدأ العمل أو في أوقات الاستراحة وغيرها.. ما الذي تغيير اليوم.. جلس على مكتبه رتب بعض أوراقه ثم اتجه نحو غرفة المدير..

– السلام عليكم..
– وعليكم السلام..
– سعادة المدير أريد أن أتحدث معك في أمر ما.. هل تمنحي قليلا من الوقت..
– عفوا الموضوع محسوم لا أستطيع فعل شيء..
– أي موضوع أريد فقط خمس دقائق..
– أعتذر أنت كنت محترفا في عملك ولكنك مقصر أيضا.. وقد حذرتك مراراً.. لا تراجع عن قرار الفصل.. التفاصيل المالية لدى محاسب الشركة!

ذهل خالد والتفت إلى الخلف ليجد قرار فصله معلقاً في الحائط المقابل لمكتب المدير. في غضون ثوان وجد جواباً شافياً لكل التجاهل الذي واجهه منذ مدخل الشركة.. ثم قهقه بصوت عالٍ.. فُرجت إذن..

– سعادة المدير.. شكرا لم أعد أحتاج فرصة للحديث..
– طالعه المدير بغرابة.. ماذا تقصد..
– خالد وهو يقهقه مجدداً: كنت هنا لأخبرك أني حصلت على عرض عمل مغري ولا أستطيع رفضه.. وأتيت لتقديم استقالتي.. وأنا في كامل الاستعداد لعمل ما يطلب مني لإنهاء العقد.. الآن وفرتم علي جهدا كبيرا وعلي فقط أن أتقاضى حقوقي ثم أذهب. ولكن أود أن أقول لك شيئا سعادة المدير..

ماذا لو استقبلتني مرحّبا كالعادة، ثم دعوتني إلى وجبة إفطار، وشرحت لي بكل لطف حاجة الشركة إلى شخص أكثر تفرغا وانضباطاً مني، وأنك كنت سعيدا ً بالعمل معي، وشكرت ما قدمته على مدار خمس سنوات، وتمنيت لي مستقبلاً رائعاً في عملٍ أكثر ملائمة لظروفي.

ماذا لو كنت أكثر لطفا ومنحتني شهادة الخبرة وهدية صغيرة تكون تذكاراً من الشركة التي قضيت فيها خمس سنوات كاملة.

لا تجيد كثير من المؤسسات العربية إنهاء عقود العمل مع الموظفين بشكل ودي في أكثر الحالات.. بل تحول الموظف السابق إلى عدو حالي.

كنت حينها ستضيف مهندسا محترفا إلى قائمة أصدقاء الشركة الذين لن يتوانو عن تقديم خدمة قد تحتاجها يوما، وسيكونون مستشارين دائمين وبشكل مجاني مقابل تلك الصداقة.

هل كنت مضطراً لتحويلي إلى عدوٍ بعد أن كنت واحداً من فريق عملك؟ أطرق المدير خجلاً من تصرفه.. ثم تمتم.. نحن لم نكن نقصد…..إلخ

خالد وهو يلوح بيده مغادراً: لست مضطرا لتبرير شيء.. شكرا لك أراك بخير.

هذه ليست رواية من نسج الخيال.. ولا جزءا من فيلم.. هو مشهد يتكرر وبشكل كبير في كثير من المؤسسات العربية حين تنهي عقودها مع موظف ما.

الخلاصة:
لا تجيد كثير من المؤسسات العربية إنهاء عقود العمل مع الموظفين بشكل ودي في أكثر الحالات.. بل تحول الموظف السابق إلى عدو حالي.. بسوء تصرفها معه. ويلاحظ كثيراً أن أبرز ما يعانيه من ينهي عقد عمل مع شركة ما يتمثل في:

• عدم اللياقة في إبلاغ بالقرار.
• التحايل على الحقوق والمماطلة فيها.
• التهرب من صرف شهادة الخبرة.
• استخدام نصوص عقود العمل الملتوية أساساً ضد الموظف ولصالح الشركة.
• الإساء إلى الموظف لدى الشركات الأخرى التي تستقبله.
لذا نحن بحاجة فعلية إلى إعادة النظر في طريقة إنهاء العقود مع الموظفين عند الحاجة لذلك.. كي نصنع من الموظف السابق صديقاً دائما.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.