عندما تُعرّي العرب صورة

blogs - Syrian
الساعة الآن الثانية بعد منتصف الجرح وبضع وثلاثين خيبة. أحرك المؤشر أتابع الأخبار، تطالعني صورة لطفلة بين أناملها المرتعشة كسرة خبز، حافية "الغموس"، ربما تكون كل ما تملك تلك الطفلة التي فُضت بكارة سعادتها، هدم وتشريد وتجويع ممنهج.

خصلات شعرها تشبهها مبعثرة، شاردة، غارقة في الألم والوجع والسواد، عيونها تائهة بلا أمل يغشاها الوجع، جسدها منكمش، فستانها تتسلقه فراشات لاهثة إلى اللا مكان حيث اللاشيء، تعانق دميتها بذراعٍ واهٍ أنهكته الخيبات، تضمها إلى صدرها بحنان! تضع يدها على عيون دميتها لتحجب عنها بشاعة المنظر! كم هي محظوظة دميتك، إن وجدت من يحجب عن ناظريها سوء المنظر والمصير!

الاصطدام بين الفقراء والأغنياء قادم لا محال، ولن يُسكت كلب الجوع سوى عظام غنّي قد انتزعها من ظهر فقير، جاء ليستردها!

أحرك المؤشر مرة ثانية، تستقر عيناي على صورة لامرأة سورية تضم إليها طفلة جميلة قد انطفأ مصباح وجهها، صورة تفضح تخاذلنا وتشي بعارنا، في صندوق خشبي أشبه بالتابوت تضم طفلتها إليها بكفين مرتعشتين، تنظر إلى عدسة المصور مباشرة، لم تكن نظرتها نظرة حزن صافية بل ممزوجة باحتقار واستخفاف.

امرأة مسكينة، وحيدة وسط أكوام من الثلج المتشحة بخزي العرب وعارهم، امرأة تحتمي من المطر بجوف صندوق خشبي، هو للتابوت أقرب منه للصندوق ، في مشهد ساخر مؤلم ، لو نطق لقال دفنتموها يا رب حية، عيون الطفلة تهمس في وجع هنا يموت الناس من جوع بلا رحمة وفي وطني أناس ماتوا من التخمة!

حافية الوطن وقفت تصارع البرد وحدها، تهز إليها بجذع الأمل عسى أن يسَّاقط عليها فرجاً قريباً. أن تكون مغتربا في بلادك، عاريا منها، حافيا بها، تلك غربة يقال لها صدر بلا رئة!
 

لا تحدثه بعدها عن الولاء فهو كأس من خمر بات لا يسكرنا، نشاز إيقاع لا يطربنا، ثرثرة عجوز ضيعت ملامحها، لا تحدثه عن الولاء، وقهوتك تطيب بنار حطبها عظامه!

سيأتي اليوم الذي لن يجد فيه الفقراء شيئا ليأكلوه سوى الأغنياء! ولقد بات هذا اليوم وشيك الوقوع، والاصطدام بين الفقراء والأغنياء قادم لا محال، ولن يُسكت كلب الجوع سوى عظام غنّي قد انتزعها من ظهر فقير، جاء ليستردها!

ماذا نحكي لأبنائنا، أنحكي أن امرأة سنية بسوريا اغتصبت، أم نحكي عن جوعى الصومال أم نحكي عن أجساد تشوي من أجل أنها راكعة.

تدافعتْ لبرهة مئات الصور وانتشرت على صفحة دفتري العتيق، صورة طفلة تبكي أمها تهزها بقوة، تظنها نائمة، وأخرى في مضايا تحتسي الصمت باردا تراقب قطة تتمنى لو ظفرت بها، لتطعمها صغارها، وثالثة تبكي ولدها الذي مزقته رصاصات الخسة والغدر والخيانة.

دفتري عاجز يا سوريا، دفتري ممزق يا فلسطين، دفتري أخرس يا بورما. تلك المشاهد والصور جعلتني أتساءل، عن إجابة شافية كافية نطلي بها وجوهنا الشهواء حتى لا تؤذي حقيقتنا أطفالنا.

لقد لحقنا أناس قصوا علينا أن الأرض تنشق نارا تمزق أعداء الله، وأن كتاب الله للقلب حياة، وأن لصرخة امرأة عفيفة جُيِّشت الجيوشُ!

ترى ماذا نحكي لأبنائنا، أنحكي أن امرأة سنية بسوريا اغتصبت، أم نحكي عن جوعى الصومال أم نحكي عن أجساد تشوي من أجل أنها راكعة، ساجدة!

أتعبني السؤال، ماذا نقول لأبنائنا، أنكذب أم نتجمل، أم نبكي؟!