الجمال ظاهره القلب.. وباطنه العقل

Blogs - Rainbow

وَقَفَ الكثيرُ من الأدباء والشّعراء على الأطلال قديماً وحديثاً يفترسون معناً للجمال، وتعمّق علماء الاجتماع والفلاسفة في أبحاثهم لعلّهم يجدون شيئاً يفكّكون به رموز هذه الظّاهرة، بل وأصبح علماً مستقلاً بذاتهِ. بات الكلّ مولعا في التّعبير عن هذه الظّاهرة "الطّبيعية" وسعياً إليها بشتىّ الطّرق ولو متمرّدين على حساب القوانين الطّبيعية. الكلّ بحثَ وتكلّمَ عن الجمال إلاّ أنّهم انتهوا جميعاً بتعريفات تصف ولا تعرّف.
 

وقد عرّف الفيلسوف "هربرت ريد" الجمال على أنّه "وحدة العلاقات الشّكلية بين الأشياء التي تدركها حواسنا" وقد أصاب إلى حدٍّ كبيرٍ في وصفها لا في تعريفها واعتبره الفلاسفة اليونانيون "على أنّه دالّ على الخير والحقيقة" وهذا أيضا وصف للجمال مقتصر على بيئة اجتماعية. بينما رؤية الفيلسوف سقراط اقتصرت على"تفسير غائي" مختصرا تعريفه في مقولته المشهورة "ما هو نافع لغرض معيّن فهو جميل لهذا الغرض" وقد فُهمَ من هذه المقولة أنّه يرى الجمال في الحفاظ على القواعد الأساسية التي من أجلها خلقت الأشياء وهي هدفها من الوجود، وهذا يعني أنّه اشترط أن يكون للشّيء غاية تترك فائدة ونتائج إيجابية على المحيط الاجتماعي والطّبيعي.

لو أردنا رفع الجمال من قوس قزح لاكتفينا فقط بإعادة ترتيب الألوان بشكل مختلف ليزول إعجاب العين البشرية به.

فغاية الأشياء حسب رأيهِ مُوجّهة نحو الخير والأخلاق النّبيلة والقيم التربوية العليا، وهذا لا يفسّر جمال قوس قزح مثلا بل يصف الغاية التي من أجلها وجد، لأن سقراط أدرك معنى الجمال من خلال العلاقة المنطقية بين الأشياء والعناصر الموجودة في الطّبيعة وبالتّالي لم يبتعد كثيرا عن الفيلسوف "هربرت ريد". أغلب الناس يضنّون أنّ قوس قزح جميل لكن لا يعرفون السّبب الحقيقي وراء هذا الجمال.
 

الجانب الفلسفي يشترط وجود عناصر أساسية لتفسير الظّاهرة أوّلها الشيء موضوع الجمال وثانيها المُتلقّي للتّأثيرات الجمالية وثالثها الشّيءُ الشَّاهِدُ أو المُقاسُ عليه درجة الجمال، فلا يمكن معرفة معنى الأشياء إلا من خلال نقيضها، لا يمكن إدراك معنى النّور إلا من خلال الظلمة، ومعنى الجهل إلا من خلال العلم والصغير إلا من خلال الكبير فتقاس قيمة الأشياء من خلال إسقاطها على نقيضها.
 

نحن نرى "الجمال في الجماد والأجساد على حدّ سواء. الجماد بشكله جميل لوجوده، جميل حين استخدامه في موضعه". أي أنّ وجوده مرهون بشكله، إذا تغيّر هُلك. لو كان الجامد والكائن الحيّ بخلاف شكلهما الطبيعي لما استطاعا القيام بالعمل الذي من أجله وُجدا.
 

وفي الوقت الذي اعتبر الجميع أن نظرية الوهم للفيلسوف "جورجياس" أنّها محاولة فاشلة للكشف عن معنى الجمال عند استعماله "للبرهان بالخلف" إلا أنّ قصّته شبيهة إلى حدّ كبير بذلك الرّجل الذي كان يحفر في الأرض بحثا عن الذهب ولمّا اقترب إليه بمقدار ضربة فأس ظنّ أنّه المكان الخطأ.
 

كان الفيلسوف "جورجيس" يحفر مستعملا آلتين هما القلب والعقل، ركب العواطف باتجاه عالم الوهم محاولا تفسير ظاهرة وهو تحت تأثيرها فخرج عن الموضوعية فغيّب العقل وعلى إثره أوقف الحفر فضاعت فرصته الوحيدة في مقابلة الجمال وجها لوجه. حيث اعتبر جورجيس الجمال على "أنّه مجرّد فنّ مؤثر على إحساس الإنسان وارتباط القيم الجمالية بالنشوة واللّذة الحسية".
 

فدرجة الجمال مرادفة لدرجة معيّنة من الإعجاب بالشيء، تبديها حالات نفسية تجاه كائن أو ظاهرة معيّنة بسبب تأثيرات كبيرة تتركها على الحواس بعد إشباع حاجاتها البيولوجية بالإيجاب في حالات الإحساس باللذّة والسّعادة بعد سدّ رمق العطش والجوع مثلا، أو بالسِّلب في حالات الإدمان على المخدرات وغيرها. قد تكون هذه التأثيرات حسّية في أغلب الأحيان أو منطقية من خلال الفهم والاستيعاب الشّبه المطلق لحقائق الظواهر الطبيعية مثل الحالات النّفسية التي يكون عليها العلماء عن وصولهم لتفكيك رموز المعادلات المعقدة في شتّى العلوم والتّعبير عنها بالمقولة المشهورة "يوريكا".
 

فلو أردنا رفع الجمال من قوس قزح لاكتفينا فقط بإعادة ترتيب الألوان بشكل مختلف ليزول إعجاب العين البشرية به، لنجد أنفسنا أمام أحكام نسبية تتعلّق بالمتلقّي وهو الإنسان من خلال حواسه الخمس. فجمال الشّيء شكلا هو ترتيب وتناسق وتناغم في أجزاء تركيباته، تفرضها جيناته المشفرة برقم سماه العلماء بالرقم السرّي أو الرقم السّحري 1.618 وهو سرّ الجمال في الطبيعة إذ نجده في كل الخلائق، من الحلزون إلى المجرّة، ويمثّل قانون كوني يجبر الخلائق على السّير باتجاه القواعد الأساسية التي بنيت عليها الطّبيعة. فهل الجمال دافع إلى حبّ الحياة أم سببُ القدرةِ على البقاء أم الاثنين معا؟
 

عندما نتأمل في قوانين الطّبيعة نجدها ترسم لنا ألوانا باهتة تبهر الناظرين ومسارات لا تقبل الخطأ ونحت لا عوج فيه، بينما حركة الإنسان الطبيعية تجاه المجتمع وتجاه نفسه تدخل ضمن هذا السّياق وخروجه عنها يسبّب حركة عرجاء تذهب بجمال علاقته بالمحيط الذي يعيش فيه الأمر الذي يهدّد وجوده داخل الطّبيعة.
 

بينما يخفي الكون بعضا من تأثيراته الجمالية عن العين البشرية لعدم تماشيها مع قواعد الجذب لصالح المنفعة المتبادلة. فمثلا كوكب المشتري عنْ بُعد هو جميل رائعٌ مذهلٌ يخفي هولٌ ورعبٌ، وهو عن قرب هواء خانق قاتل لا يمكن إدراكه بالعين الطبيعية المجرّدة.
 

الجمال صورتان، أصلية منقوشة في المصدر وأخرى صورة معكوسة على حواس الكائنات، تبديها من خلال سلوكياتها النفسية أو الغريزية تجاه الظاهرة.

فجمال الزّهرة برائحتها الطيّبة والطيّارة هو حقّ النّحلة على الطبيعة كما أنّ قدرة الزهرة على إفراز الروائح الجذابة يضمن لها البقاء والكلّ تحت قيادة خرائط جينية لكلى الطرفين والتي تدفع عكس إرادتهما وتسلبهما حرية التملص من هذا المسار المفروض عليهما قصد إبقاء الميزان البيولوجي للحياة.
 

جمال الإحساس بالنّشوة واللّذة في تبادل المنفعة يدفع الكائن إلى الحبّ في الحياة إن غاب لدى الإنسان شيء منه تعرّض إلى الهلاك. أليس مذهل أن نكتشف خرائط الجمال منقوشة في ترتيب رائع للأحماض الآمنية داخل جينات الكائنات الحيّة التي منها يبدأ وينتهي كل شيء، فيها تُخزّن جمالُ الفكرةِ وجمالُ الصّورةِ وجمالُ الخطّةِ وجمالُ الوظيفةِ بالشّكل الذي يتوافق ويتناسب مع جميع الكائنات الفاعلة في محيطه؟
 

أليس جميل أن تختار الحيتان المفترسة الفقمة المنكسرة أضلاعها عن التي هي سليمة؟ أليس جميل أن تختار إناث الطّيور ذكورها السّليمة عن المريضة؟ أليس جميل أن تكون قوةَ السّمعِ والبصرِ عند الإنسان محدودة؟ اذ لو لم تكن كذلك لاستطاع رؤية الحيوانات وهي تجري في الغابة وراء فريستها وسماع الضبّ وهو يحفر جحره تحت صخرةٍ فيضيعُ عليه كل شيئ ويستحيل عندها العيش ولو لدقيقة؟ أليس جميل أن يكون الجمال مفروضا حولك وعليك؟
 

فالجمال صورتان، أصلية منقوشة في المصدر وأخرى صورة معكوسة على حواس الكائنات، تبديها من خلال سلوكياتها النفسية أو الغريزية تجاه الظاهرة بسبب تأثّرها الكبير بعد إشباع حاجاتها البيولوجية من خلال قواعد الجذب لصالح المنفعة المتبادلة.