البحث عن الحقيقة

blogs- أنا أفكر، إذا مقتول

رحلتي من الشك إلى الإيمان، هكذا بدأت حياة البحث والتنقيب عن الحقيقة في حياة الملهم مصطفى محمود -رحمه الله- هو مصطفى كمال محمود حسين آل محفوظ المولود في 27 ديسمبر 1921. بدأ حياته متفوقا في دراسته وكان ولعا منذ صغره بتشريح الحيوانات إلى أن وصل لمرحلة الجامعة ودرس "الطب".

ولكثرة عمله ووقوفه الدائم مع جثث الموتى اشتُهر بـ"المشرحجي"، وفي تلك القاعة بدأت الحكاية وبدأت النفس تدلي بدلوهـا في تساؤلات هذا الوجود خاصة سر الحياة الموت ومــا بعدهما. ثلاثون عاما من المعاناة والشك والاحتراق الداخلي للفراغ الذي يبحث عن أجوبة مفزعة وجريئة…هل المــوت بوابة إلى العدمية أم باب إلى الخلود؟ ولمــاذا خلق الله الإنسـان ثم جعل له الموت ليحطمه
؟ وغيرها من الأسئلة الشائكة المؤلمة المحيرة التي أســالت دمعه وقلبه.
 

كما يحتاج الفقير للمال والمريض إلى الطبيب.. فالمضطرب يبحث عن التدين وبوصلته هي الفطرة.

قرأ وقتها عن البوذية والبراهمية والزرداشتية ومارس تصوف الهندوس القائم عن وحدة الوجود حيث الخالق هو المخلوق والرب هو الكون في حد ذاته. ليالي من الآلام والنكسات مثله مثل مــا كان الغزالي صاحب الإحياء قبله؛ هَامَ في الأرض عشر سنين يبحث عن الله.

ولولا الإلهـام الباطني لما عاد مصطفى محمود -كما قال عن نفسه- رجع بما تجده النفس من تلك الراحة في الارتباط في القوة العظمى التي تحكم السنن والموازين.. فكما يحتاج الفقير للمال والمريض إلى الطبيب، فالمضطرب يبحث عن التدين وبوصلته هي الفطرة.

التجربة صهرت الرجل وجعلت منه مفكرا بارزا، أنهـــى مرارة السنوات العجاف بأروع مما كتب علماء هذا العصر من كتبٍ جلَّ نظيرها إلا قليلا من بينها "حوار مع صديقي الملحد"، "رحلتي من الشك إلى الإيمان" و"المستحيل"، "لغز الموت"، "لغز الحياة".

إن من أشدِّ ما هلك الدين، أننا ما بحثنا عن الحقيقة وإنما وجدنا دينا فورثناه عن آبــائنا فهي في أكثر الحالات طقوس إلا ما رحم ربي فكنا كالذين قـالوا "إنَّا وجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وإنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ". ولذلك لم يفهم الكثيرون معنى الاستخلاف الذي خُلقُوا من أجله، ومنه يتراءى لبعض العوام وحتى بعض المفكرين، أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة، وانهم هم وحدهم من يمتلكونها ولهم الحق في إلغاء آلاخر وتهميشه على اعتبار انه مخطئ. وعلى أساس ذلك اشتعلت الفتن والمعارك عبر التاريخ، ولا أحد يملك الحقيقة إلا ربُّ الحقيقة.

ومهمة الإنسان البحث والخطأ والتصحيح ليصل إلى مشارف فقط، وإطلالات على الحقيقة. وما أجمل قول ليسنغ عالم الفيزياء الموموق "لو وقفت أمام الله ووجدت على يمينه الحقيقة الكاملة وعلى شماله البحث الدائم عنها.. لجثوت على ركبتي وقلت ربي أعطني ما في يُسرَاك فإنَّ الحقيقة الكاملة لا تليق إلا لجلالك".

إن الخطابات الدينية التي تسعى إلى دغدغة العواطف لن تنال مرادها في تغيير عقلية المجتمعات التي تود النهضة، فسنن الله لا تحابي الشعارات بقدر ما تحابي الأسباب، ابحثوا عن الحقيقة ومنها ستعرفون لذَّة الوجود ولذة الإيمان، ومن أصدق من الله حديثا "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" فنقبوا وفتشوا عن الحقائق، فمن سلك عرف، ومن عرف اغترف.