عرفات والحاجب الأندلسي

blogs - history
كان حاكما أندلسيا ظلا، تدرج في المناصب حتى وصل لمرتبة الحكم الفعلي رغما عن أنف خليفتين. استمال أم أحدهما قبل الحجر عليه وتقييد سلطة أمه التي كانت سخرتها خدمة "لعينيه" حتى جمع مجد الدولة ببنانه. ما ترك ممن فرشوا طريقه نحو السلطة زهرا من أحد إلا أطاحه.

حاجبه الذي قربه من القصر بداية حياته، ثم وقف بوجه منافسيه من الطامحين للسلطة وعمل معهم كجاسوس لحاكمه، لم يشفع له شيء. نسي كل مغانمه وإخلاصه له وللحكم والحكام من قبله وحنق عليه لأجل شك. رماه في السجن، وأذله هو وأهله وأقاربه، وصادر أموالهم، ونكل به حتى كان يحمله مكبلا في غزواته.

كتب لحاكمه مستجديا بعد أن كُسر إباؤه في السجن:
هبني أسأت فأين العفو والكرم … إذ قادني نحوك الإذعان والندم
يا خير من مدت الأيدي إليه أما … ترثي لشيخ نعاه عندك القلم
بالغتَ في السخط فاصفح صفح مقتدرٍ … إن الملوك إذا ما استرحموا رحموا

تجنح العقلية العربية عند التحدث عن الجانب المجيد من تاريخها على تعليقه بما يصور لها أنهم أبطال ورموز وهيئات لا تمس.

فرد عليه بتعجرف خالص وأرسل أبياتا تطفح قسوة ولؤما:
الآن يا جاهلا زلت به القدم … تبغي التكرم لمّا فاتك الكرم
أغريتَ بي ملكًا لولا تثبتُه … ما جاز لي عنده نطق ولا كلم
فايأس من العيش إذ قد صرت في طبق … إن الملوك إذا ما استنقموا نقموا
نفسي إذا سخطت ليست براضيةٍ … ولو تشفعّ فيك العرب والعجم

..
تجنح العقلية العربية عند التحدث عن الجانب المجيد من تاريخها على تعليقه بما يصور لها أنهم أبطال ورموز وهيئات لا تمس، ويتم استحضارها دوما في المرويات والجنوح لها فيما يعتقد أنه من باب التحفيز وصناعة القدوات، في حين أن المنطق يقول بتلاشي ذلك التحفيز اللحظي متحولا إلى إحباط على المدى البعيد، فقدوة ذات أفعال غير قابلة للتطبيق تبقى مجرد أسطورة للتباهي.

قد تتجلى لفتة لطيفة هنا بين اعتقاد المسلمين بإنسانية محمد صلى الله عليه وسلم، واعتقاد بعض المسيحيين بألوهية عيسى عليه السلام، فالأول أقرب لك -كبشر- وأسهل أن تتماهى معه، فيما الثاني مهما فعل يبقى إلها ذو منزلة خاصة لا يرجى الوصول إليها كما ذكر لي مرة أحد الأصدقاء.

على أيٍ، إن صحت بعض تلك المرويات التي تجمع المجد في شخص، فهي لا تروى كاملة، وتُغفل منها نهايتها.. نهاية المجد الذي ينقلب مهانة وذلا بعد فناء ذاك الأسطورة وتفلت ما ملك من يده وتنازع قومه -وأعدائه- عليه، هو قرن الإنجاز بنفسه، جعل نفسه هي الشرف والبطولة -قاصدا أو غير قاصد- ، وعوّل الآخرون عليه واستسهلوا ذلك -أو لعلهم أرغموا عليه- ، حتى إذا ما فقده انقلب كل ما صنع رأسا على عقب، وأضحى أشد وأنكى. يظهر ذلك جليا في سردنا لبطولات صلاح الدين -كمثال أشهر- في القدس، ثم فيما درج على الألسن من بطولات صدام وعرفات وهلم جرا، ويظهر هذا الفهم متقدما لدى عمر حين عزل خالد بن الوليد.

قد يكون ذلك أحد أسباب الدعوة إلى الإدارة اللامركزية في علم الإدارة الحديث، حيث لا تجتمع السلطات بيد شخص، بل يمارس كل شخص سلطاته في مربعه وفق منظومة شاملة من المبادئ المتفق عليها، والتي يسند له حرية استخلاص القوانين منها كما يشاء بعيدا عن مراقبة لصيقة من رأس الهرم.

..
أما صديقنا المنصور بن أبي عامر، فقتل المصحفي في سجنه. ثم لما توفي، دخلت الأندلس من بعده مرحلة ملوك الطوائف، فتشظت وتقسمت لدويلات، وتلاشت ضائعة، منهية حقبة ذهبية كتمثال من ورق.

..
"القرآن كتاب واقعي، لا مكان فيه لأبطال الملاحم".
علي عزت بيغوفيتش.