يضرب الأطباء.. فيتوهم الساسة اندلاع الثورة!

دخل الأطباء السودانيون في إضراب مفتوح عن العمل منذ يوم الخميس الماضي، احتجاجاً منهم على تردي بيئة العمل وتدهور القطاع الصحي في البلاد.

القطاع الطبي اشتهر بإضرابات قليلة، لكنها فعالة وذات تأثير، وفي هذه المرة، مثلما حدث في مرات سابقة، بلغ السيل عند الأطباء الزبى ولم يعد في مقدورهم تحمل أكثر من ذلك.

يعاني الحقل الطبي في السودان من تدهور مريع، مرده إلى سياسة التحرير الاقتصادي التي انتهجتها الحكومة الحالية منذ بلوغها السلطة في العام 1989م؛ فالدولة تعتني بالأمن والدفاع أكثر من اهتمامها بالقطاعات الخدمية الأخرى، وهي تهمة توثقها ميزانية الدولة التي توفر 4 في المئة فقط من جملة الميزانية للتعليم والصحة.

حالة إضراب الأطباء تصلح لقراءة المشهد السياسي في السودان بصورة دقيقة، إذ كشفت عن استهتار حكومي بقضايا قطاع مهم.

بدأت موجة الاحتجاج عند الأطباء في العلو عقب الاعتداء الذي شنه مواطنون على أطباء داخل مستشفى أم درمان التعليمي، بسبب وفاة مريض أثناء تلقيه العلاج؛ فألقى مرافقوه باللائمة على الأطباء.

ربما تكون الحادثة في سياقها المذكور أعلاه مألوفة في دول العالم الثالث، لكنها هنا تأتي في سياق مختلف، حوداث الإعتداء غالباً ما تأتي كرد فعل -غير مبرر ومرفوض من قبل الجميع- لكنها تأتي من منطلق عدم تعامل الطبيب مع الأمكانيات المتوفرة له لمساعدة المريض في الشفاء، وبالحد الأدنى، تحسين حالته المرضية أو أصابته، لكن ماذا تنتظر من طبيب لا يمتلك من معينات العمل غير سماعة معلقة على كتفه وجهاز لقياس الضغط؟ نعم، تلك الإمكانيات المتاحة للطبيب السوداني في غالبية المستشفيات الحكومية، ومستفى أم درمان التعليمي ليس حالة استثنائية منها.

يحكي أحد الأطباء المضربين عن العمل عن حادثة من حوادث الإعتداء المتكررة عليهم من قبل المواطنين "جاء مريض حالته حرجة إلى مستشفى أم درمان العلاج، وبعد فحصه سريرياً تم أخطار أسرته بضرورة نقله إلى مستشفى آخر، نظراً لعدم توفر معينات العلاج، وعندما شرعوا في إجراءات النقل، لم يكن داخل المستشفى سيارة إسعاف، ليتم الاتصال بإحدى المنظمات الخيرية التي توفر سيارات الإسعاف، لكن المريض فارق الحياة في الساعات المهدرة في البحث عن سيارة إسعاف وأجهزة معينة على العلاج.. بعدها وقعت حادثة الاعتداء انتقاماً من الأطباء الذين لم يوفروا أجهزة طبية مساعدة وسيارة إسعاف!

في حقيقة الأمر، كان تكرر حوادث الإعتداء على الأطباء أحد أسباب الإضراب، لكنه ليس سبباً رئيسياً، بل واحد من عدة أسباب تجعل من ممارسة مهنة الطب في المستشفيات الحكومية أمراً مستحيلاً، نتيجة افتقارها للأجهزة والمعدات الطبية الأساسية، ناهيك عن سيارات الإسعاف المجهزة بشكل متكامل.

ساهم التفاف المواطنون في السودان حول إضراب الأطباء في نجاحه بصورة ملفته للنظر؛ فالمطالب التي قدمت من قبل الطبيب السوداني هي في حقيقة الأمر مطالب لامست احتياجات المواطن البسيط "تطوير المشافي وتوسيع السعة السريرية وتوفير الأدوية المنقذة للحياة والأجهزة والمعدات الطبية".. مطالب لا يمكن لأحد وصفها بغير العادلة.

حتى الآن، تزداد معاناة الطبيب السوداني باستمرار، الحكومة حاولت تفريغ الإضراب من مضمنوه المهني، ووصفته بأنه محاولة لتسيس الحقل الطبي والتلاعب بالمواطن (تقصد تحزيبه، أو جعله يخدم مواقف حزبية)، وهو أمر غير مستغرب ولا جديد فيه، الحكومة دائماً تلقى باللائمة على الأطباء وتتهمهم بتسيس (تحزيب) العمل العام، وتتعذر بالعقوبات المفروضة عليها للهروب من دائرة اللوم لعدم توفيرها المعدات الطبية اللازمة. لكن، ومما زاد من معاناة الطبيب، هو تدخل الأحزاب السياسية المعارضة.. منذ أن أعلنت لجنة أطباء السودان المركزية دخولها في إضراب مفتوح عن العمل، ضجت مواقع التواصل الاجتماعي ببيانات التأييد والتنديد التي تدبجها الأحزب المعارضة في كل ساعة، لتتحول ساحة الإضراب لحلبة صراع سياسي حزبي، تتهم فيه المعارضة الحكومة بالتنصل من مسؤولياتها، وتتهم فيه الحكومة المعارضة بتسيس العمل العام، ليجد الطبيب السوداني نفسه داخل ساحة صراع سياسي حزبي لم يكن مطلبه الأساسي.

بالطبع، لا يمكننا منع الحكومة من الدفاع عن نفسها، أو منع الأحزاب السياسية المعارضة من تبني القضايا العامة، لكن الواقع يدفعنا للتدخل، للحيلولة دون استعارة اسم الطبيب لتبرير الفشل من طرف، واستغلال احتياجاته وتوظيفها سياسياً من طرف آخر.

تلك وقائع أكدها سلوك الحكومة في معالجة المشكلة، فهي لم تعترف بإنهيار الوضع الطبي، وذهبت من فورها لاتهام الكوادر الطبية بتني مطالب طبية لتنفيز أجندة سياسية حزبية تتعلق بتقويض النظام أو تلطيخ صورته. واختارت المعارضة، من جانبها، الطريق الأقصر لتبني الإضراب، لتظهر للمواطن السوداني كما لو أن كوادرها تعمل في شتى القطاعات المهنية، ولها مطالب تصب في مصلحة المواطن.

سلوك الحكومة والمعارضة المنتهج تجاه إضراب الأطباء ربما يبدو منذ الوهلة الأولى صراع نقيضين، لكنه في حقيقة الأمر يتعدى ذلك ليبلغ مرحلة الحفاظ على الذات، إذ يستمد ذلك الصراع حالة من الرعب والرغبة مستمدة من بعد تاريخي لأحداث ارتبطت بحراك طبي ساهم في آخر المطاف في إسقاط حكومة المشير جعفر نميري (1969 – 1985) واندلاع إنتفاضة شعبية قادت الأحزاب المعارضة إلى سدة الحكم.

حالة إضراب الأطباء تصلح لقراءة المشهد السياسي في السودان بصورة دقيقة، إذ كشفت عن استهتار حكومي بقضايا قطاع مهم، والتعامل معها كأنها تصب في مصالح فئة بسيطة ومحدودة. كان الأجدر بالحكومة أن تعترف بتقصيرها وتعمل على تدارك الأخطاء التي وقعت فيها، لا أن تتهم الأطباء بتهمة تسيس وتحزيب العمل الإنساني.

ذات اللائمة تقع على المعارضة التي اتبعت أبسط السبل وأكثرها سهولة ويسر، تصدر البيانات وتطالب من المواطنين تقديم الدعم لأطبائها المضربين، وهي محاولة بائسة لتجيير إضراب مهني بامتياز.

يؤمن المواطن السوداني بعدالة قضية الأطباء ويقف معها من وجهة نظره فهو يدعم الإضراب ويرفض تسييسه أو بمعنى آخر (تحزيبه)!

كان الأجدر بالمعارضة أن تنصب خيام الدعم الطبي وتسيير أطبائها في الأحياء السكنية لتقديم الدعم الطبي للمواطن، وأن تخرج إحصائيتها عن عدد المستشفيات التي انهارت بالكامل، وعن إحتياجات المستشفيات الآخرى من حجم المعدات، ومطارحة الحكومة بالحجج عن ضعف العائد المادي الذي يتلقّاه الطبيب، وتقديم الخطط لوقف هجرة الأطباء المهولة التي، بالتأكيد، سيكون لها أثار خطيرة في المستقبل… لكنها أرتضت لنفسها أيسر السبل وأضعفها.

وسط كل ذلك، برهن الأطباء على سمو أخلاقهم عبر مطالبهم المقدمة التي تصب في مصلحة المواطن أولاً، فأضربوا عن الحالات الباردة –هي الحالات التي تتلقى العلاج الأولى وتتجاوز مرحلة الخطر- ومستمرون في تقديم المساعدات للحالات الطبية المستعجلة الطارئة التي لا تقبل التأخير.

من جانبه، أكد المواطن السوداني غير المنتمي سياسيا أنه تجاوز حكومته التي دعته لعدم الاهتمام بأمر الإضراب، وكذلك تجاوز الأحزاب المعارضة التي حاولت إيهامه أن العمل من صنيعها ووجب عليه دعمه.. يؤمن المواطن بعدالة قضية الأطباء ويقف معها من وجهة نظره فهو يدعم الإضراب ويرفض تسييسه أو بمعنى آخر (تحزيبه)!



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

أكد الرئيس السوداني أن أمن السعودية خط أحمر، منبها -في كلمة بافتتاح أعمال اللجنة العليا المصرية السودانية المشتركة بالقاهرة- إلى أن مشاركة بلاده في "عاصفة الحزم" ترجمة لذلك الالتزام.

وقع الرئيسان المصري عبد الفتاح السيسي والسوداني عمر البشير وثيقة شراكة إستراتيجية. وبحسب بيان رئاسي مصري فإن الوثيقة ترسم الأطر اللازمة لإحراز التقدم في شتى مجالات العلاقات بين البلدين.

لجأ عدد من خريجي الجامعات السودانية لقيادة "الركشة"، وهي وسيلة نقل صغيرة، لإنهاء سنوات البطالة، بعدما سدت أمامهم أبواب الوظائف الحكومية، حيث يقول بعضهم إن المهن الهامشية أصبحت عصية عليهم.

الأكثر قراءة