هل قُلتم ديمقراطية؟

عندما تُنشر هذه التدوينة سيكون الأمريكيون قد اختاروا رئيستهم أو رئيسهم. ومن المرجح أن تكون الرئيسة المقبلة للولايات المتحدة الأمريكية امرأة هي هيلاري كلنتون. هكذا تقول أغلب استطلاعات الرأي.

وفي فرنسا بات من المرجح أن الرئيس الحالي فرانسوا هولند لن ينجح في تجديد ولايته العام المقبل، بعد التصريحات التي صدرت عنه في كتاب والتي لا تليق برئيس دولة في حق مؤسسات نفس الدولة التي يرأسها. وأمام ضعف الترشيحات المنافسة من اليسار ومن اليمين على حد سواء، يطرح الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي، نفسه كمرشح بديل وأغلب استطلاعات الرأي اليوم في فرنسا ترجح كفته للعودة إلى قصر الأليزيه مجددا عام 2017.

غيرُ خافٍ أن أسوأ الديكتاتوريات في العالم وأكثرها شرورا ودمارا خرجت من صناديق الاقتراع كما حصل مع أدولف هتلر.

ماذا يعني هذا؟ هل يعني أن دولة مثل أمريكا عدد سكانها 324 مليون نسمة، ودولة مثل فرنسا عدد سكانها 64 مليون نسمة، كلاهما عجزتا عن إنجاب بديل، غير زوجة رئيس سابق ووزيرة خارجية سابقة، ووزير داخلية سابق ورئيس سابق، للتنافس على رآستهما؟ هل أصيبت الديمقراطية بالعقم في اثنين من أكبر وأعرق الديمقراطيات في العالم؟

وصول هيلاري كلنتون إلى البيت الأبيض، وهي التي سكنته طيلة ثماني سنوات كسيدة أولى من 1993 وحتى عام 2001، ورأست دبلوماسية بلادها ما بين 2009 وحتى عام 2013، والمرشحة الرئاسية السابقة في انتخابات 2008، يٌعد سابقة في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية التي يبدأ دستورها الفيدرالي بعبارة تقول "نحن شعب الولايات".. فهل أصيب هذا الشعب بالعقم إلى درجة أنه لم ينجح في إنجاب الخلف البديل والجديد غير نفس الوجوه التي ظلت حاضرة تدير الشأن العام من آل كيندي إلى آل بوش إلى آل كلنتون؟

في وثيقة الدستور الفيدرالي الأمريكي، وفي باب فصل السلطات، عرف بناة أمريكا الاستبداد بأنه "تراكم جميع السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية في نفس الأيدي، سواء كانت لشخص واحد أو مجموعة صغيرة أو كبيرة، سواء كان الأمر بالوراثة أو التعيين أو الانتخاب، فهذا هو بوضوح التعريف الدقيق للاستبداد". انتهى الكلام.

أما عودة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، إلى التنافس على الرئاسة من جديد، وهو الذي ظل يتقلب في المناصب الوزارية منذ عام 1993 كان آخرها منصب وزير الداخلية ما بين 2002 و2004، قبل أن ينتخب رئيسا لفرنسا عام 2007، ويفشل في تجديد ولايته عام 2012، فهو يختزل الصورة التي آلت إليها حال الديمقراطية في البلد الذي ينص دستوره على أن "حكومة الشعب بالشعب ولصالح الشعب"، فهل أصيب هذا الشعب بالعقم لدرجة أنه لن يجد من سيرشحه لرآسته سوى رئيس سابق يجر خلفه ملفات قضائية مازالت مفتوحة؟

الأمر لا يتعلق بمجرد صدف غريبة تحدث في اثنين من أكبر وأعرق الديمقراطيات الغربية، أصبح التداول فيها على السلطة وراثيا أو يخضع للعبة تبادل الكراسي. فما الذي يميز اليوم ديمقراطية أمريكا عن ديمقراطية لعبة "الكراسي المتحركة" في روسيا التي ظل يحكمها فلادمير بوتين فعليا منذ عام 2009؟ وما الذي سيخول غدا لفرنسا، في حال عودة ساركوزي إلى رئاستها، لتنتقد ديمقراطية هجينة مثل تلك التي توجد في تركيا أنجبت رجلا مثل رجب طيب أردوغان الذي يسعى إلى التأسيس لـ "دكتاتورية منتخبة" تديم حكمه المستمر منذ 2003؟

الديمقراطية كما سبق أن قال ونستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني السابق، هي "أسوأ نظام عرفته البشرية"، لأنها قادرة على إنجاب أعتى الدكتاتوريات. وغير خاف أن أسوأ الديكتاتوريات في العالم وأكثرها شرورا ودمارا خرجت من صناديق الاقتراع كما حصل مع أدولف هتلر.

فالديمقراطية عندما تتحول إلى مجرد آلية شكلية لتبرير حكم الأقلية تكون أسوأ من الديكتاتورية نفسها. ففي ظل أكبر الأنظمة الديمقراطية الليبرالية ينتشر الفساد وتعم سرقة المال العام تماما كما يحصل في أسوء ديكتاتوريات العالم، كما يتم تسخير الأكثرية الفقيرة لصالح الأقلية الغنيّة التي تُكدس الثروات في يديها، حتى بات التمييز صعبا بين بعض الديمقراطيات الحديثة والأنظمة الإقطاعية القديمة!

يقول المفكر وعالم اللسانيات الأمريكي، نعوم شومسكي، إن من يحكم اليوم في أمريكا هي الشركات الضخمة والبنوك الكبيرة، وهذا النظام الجديد لا علاقة له بالمثل التي قامت من أجلها الثورة الأمريكية.

الأمر يتعلق بـ "دكتاتورية ناعمة" تحكم الشعب باسم الشعب وطبقا لانتخابات حرة ونزيهة لكنها لا تضع السلطة في يد الشعب.

"الركود الديمقراطي" الذي تعرفه الديمقراطيات الغربية، ينذرها بعودة الاستبداد من جديد، ولجوء الناس إلى الفوضى لعدم ثقتهم في الديمقراطية.

إننا أمام ميلاد نوع جديد من "الأوليغارشية" تسيطر فيها الأقلية الغنية على القرار السياسي وعلى مقدرات الدول ومصائر شعوبها، وتسيرها وفقاً لمصالحها وأهدافها بواسطة لوبيات الضغط والتحكم في وسائل الإعلام، أما الحكام فتحولوا هم أنفسهم إلى "ماركات" إعلانية كبيرة تصنعها وتروج لها آلة البروباغوندا الجديدة عن طريق "الماركوتينغ السياسي"، وهو ما أصبح يدعو إلى نقد الديمقراطية وإعادة النظر في آلياتها حتى تعود إلى معناها الحقيقي ومعدنها الإغريقي الأصلي الذي يٌعرفها بأنها "حكم الشعب لنفسه" وليس حكم الشعب باسمه.

حالة النكوص الديمقراطي العام على المستوى العالمي، لا تتجسد في عدد الديمقراطيات في العالم الذي ظل يراوح مكانه منذ عدة عقود، بل باتت تشخصها هذه الديمقراطيات نفسها التي تعيش نكوصا داخليا، وهذا مؤشر سلبي للعالم وليس فقط لهذه الديمقراطيات، لأن نتيجته ستكون هي تشجيع عودة الدكتاتوريات التي ستبرر غدا وجودها بما تشهده الديمقراطيات الغربية من عودة إلى حكم الأفراد والعائلات، حتى لو كانوا "منتخبين" ديمقراطيا!

ما نشهده اليوم هو حالة من الوهن أو التعب التي أصابت النظام الديمقراطي وأكثر المتفائلين بتجاوز هذه الحالة هم من يؤمنون بأن النظام الديمقراطي يحمل في طياته عوامل مقاومة انهياره من الداخل.

وبالنسبة إلى المنطقة العربية التي تعيش عودة تدريجية للدكتاتوريات، فإن "الركود الديمقراطي" الذي تعرفه الديمقراطيات الغربية، ينذرها بعودة الاستبداد من جديد، ولجوء الناس إلى الفوضى لعدم ثقتهم في الديمقراطية، وهذا ما يجعل الكثيرين في المنطقة العربية، خاصة الديمقراطيين، مرتابين من انتخاب كلينتون رئيسة للولايات المتحدة الأمريكية ومن عودة ساركوزي إلى حكم فرنسا.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

"الإعلان السياسي لدولة المواطنة والديمقراطية" وقعه "تحالف قوى نداء السودان" يوم 3 ديسمبر/كانون الأول 2014 في أديس أبابا، تضمن نقاطا عدة، حدد فيه رؤيته لحل الأزمة في السودان.

قالت مصادر خاصة للجزيرة إن أسلحة متطورة وذخائر مقدمة من التحالف الدولي وصلت إلى قوات سوريا الديمقراطية في شمال شرق سوريا، وذلك لمقاتلة تنظيم الدولة الإسلامية وإخراجه من محافظة الرقة.

الأكثر قراءة