لماذا فاز ترامب؟

هذا هو السؤال الذي يبحث الجميع عن إجابته في هذه اللحظات التي نعيشها! لماذا فاز دونالد ترامب بانتخابات الرئاسة وأصبح قائد "العالم الحر" رجل معادٍ للأقليات، مهين للمرأة، تسيطر عليه رغبات انعزالية اقتصادياً وسياسياً، وفوق ذلك كله غير مؤهل بأي صورة من الصور ليحتل منصباً كهذا؟

كيف ومتى تحولت أمريكا الأمة العظمى، راعية الديموقراطية وأمّ المفهومية، وأخت الحكمة، وخالة الفضيلة، إلى دولة من دول العالم الثالث ينجح فيها غير المؤهلين، المدعين، أصحاب الحضور "التلفزيوني" المثير للجدل إلى سدّة الحكم؟
 

نقاش كثير يدور حول الديموقراطية كطريقة لإدارة السلطات، ومدى جدوى حكم الأغلبية كمنهج، البعض يلفت النظر إلى فساد المنظومة الانتخابية الأمريكية القائمة على تقسيمة الحزبين الوحيدين حيث لا توجد فرصة للمستقلبن وغير المنتمين للأحزاب في الفوز أو حتى الاقتراب منه.

إن الخطاب العنصري لا علاق له بالمنطق، بل هو قائم في مركزيته على رفض المنطق والتمركز حول الذات المعينة.

ولأن الأحزاب تعتمد بصورة كبيرة على تمويل المؤسسات الاقتصادية والشركات الكبرى وجماعات الضغط فإنها بطبيعة الحال ستظل مقيدة بمصالح كل تلك الأطراف عند اتخاذ أي قرارات داخلية أو خارجية. وعليه فلماذا الذعر؟ هو نفس النظام ولكن بوجوه مختلفة.

الذعر يا أصدقاء هو في كوننا نشهد للمرة الأولى منذ أن انتقلنا إلى عصر العالم المتحضر -بعض الشيء- نشهد رئيساً أمريكياً يبني حملة انتخابية كاملة على تصريحات يدعو فيها صراحة لطرد جزء من المجتمع خارج البلاد، أو يتحدث عن النساء بلغة مهينة تصفهن بالعهر والتسلق أو يوصم فئة أخرى بأنها عالة على المجتمع وفاسدة أخلاقياً لا تعرف سوى الجريمة والانحلال. والأكثر ذعراً أن يفوز هذا الرئيس ويلقى قبولاً بين ناخبين يذهبون لصناديق الاقتراع لأول مرة تحديداً لأنه يتبنى هذا الخطاب.

لم يمضِ على وجودي في دولة غربية الكثير من الوقت، ولكنني بين الفينة والأخرى أتذوق شيئاً من رهبة الاختلاف، لذلك لا أستطيع أن أتخيل الحالة التي تعيشها الآن مجتمعات الأقليات من مسلمين أو اللاتين أو المهاجرين وغيرهم، فكرة أنك تعيش في بلاد أغلبيتها تؤيد فكرة تفوق الجنس الأبيض وتتعامل مع الآخر على أنه طفيليات تمتص دمّ الأمة البيضاء، ودعونا نقرر هذه الحقيقة، وهي أن الأمر قائم على أساس عنصري بالدرجة الأولى.

عندما نحاول الإجابة عن سؤال: لماذا فاز معتوه كدونالد ترامب بالانتخابات؟ علينا أن نفكر في كلمة معتوه هذه، علينا أن نعيد تقييم ما نصفه بالعقل والمنطق. إن الخطاب العنصري لا علاق له بالمنطق، بل هو قائم في مركزيته على رفض المنطق والتمركز حول الذات المعينة.

المنطق يقول بأن الناس سواسية لأننا جميعاً مخلوقون من نفس المادة، تجري في عروقنا دماء حمراء (لا زرقاء كما يصف المستعمرون البيض أنفسهم) وجميعنا نتعفن عندما نموت. ولكن المقاربة العنصرية لا ترى هذا المنطق ولا تعتبر هذه الحقيقة فهي تنظر إلى البشرة البيضاء على أنها مورد أصيل يضمن لها التفوق على الأجناس الأخرى طالما بقيت الحياة لأنه مورد لا يتغير، لا بالوضع الاقتصادي ولا بالوضع السياسي ولا بالوضع الأخلاقي، فطالما بقيت أبيضاً بقيت الأفضل، ولذلك عليك دائماً أن تحافظ على نقاء الجنس الأبيض وعدم خلطه بأصحاب الدماء الأخرى!

أعتقد أن من قرأ روايات هاري بوتر أو شاهد الأفلام يمكنه أن يفهم عن ماذا أتحدث بصورة أبسط ربما. فولدومورت وأتباعه كانوا يرون في دمائهم التي تسري في عروق السحرة قيمة في ذاتها بغض النظر عن أفعال الساحر الذي يحملها، يظل هذا الساحر أرقى مرتبة من أي "Muggle" من عوام البشر المحرومين من القوى السحرية ولذلك علينا الحفاظ على نقاء جنس السحرة حتى لا تتأثر قواهم باختلاط هذه الدماء على الرغم من انتفاء أي أسباب منطقية لربط القدرات السحرية بنقاء الأصل، بل إن بعض السحرة يأتون من خلفيات لا تحوي أفراد ذوي قدرات سحرية أبداً. (لا تقللوا من شأن قصص المراهقين، المحتوى السياسي في بعضها يفوق ما يقرؤه البالغون في أحيان كثيرة).

إن المجتمع الأمريكي كسر الكثير من مخلفات العصور العنصرية والبترياركية في السنوات الأخيرة على المستوى الرسمي الحكومي، وإن كان لا يحاكيه تغيير شامل على أرض الواقع. فقد تم انتخاب أول رئيس من أصل أفريقي، تم إقرار المسواة في الأجور بين الرجل والمرأة، نعم لم يكن هناك مساواة في الأجور تخيلوا!

تم إعطاء النساء الحق في الإجهاض قانونياً وإلزام المستشفيات الحكومية بتقديم الرعاية لهن (كان هناك خلاف حول هذه القضية خصوصاً إن كان الحمل نتيجة اغتصاب أو اعتداء)، لذلك فإن المجتمع التقليدي الذي عرف الحياة على خلاف كل هذا، الفئة التي أبصرت النور على أوضاع اجتماعية مختلفة (كبار السن والمتقاعدون تحديداً) لم تتحمل كل تلك الصدمات فقررت أن تضع حداً للموضوع قبل أن تتولى الحكم امرأة ولسان حالهم يقول: هذا ما كان ينقصنا. ثم هناك طبعاً الحالة الفريدة لبعض الأقليات التي تقدم لنا تطبيقاً عملياً لمتلازمة ستوكهولم حيث يثير صدمتك أن تستمع إلى مواطن من أصل لاتيني يتحدث عن حاجة الأمريكيين إلى رئيس صاحب شخصية قوية (يشكمهم) ويفرض الانضباط.

لا مجتمع سيء بالكلية، ولا أمة ساقطة عن بكرة أبيها، ولكن هناك سوء تقدير للأمور، سوء إدارة للواقع، وضعف من قبل الأقليات تحديداً في مواجهة تحدياتها.

أصدقكم القول أنني لم أفاجأ كثيراً، كان لدي أمل طفيف في أن لا تكون البشرية على هذا القدر من البله حتى تقع مرة أخرى في مصيدة العنصرية أو عقد النقص ولكن يبدو أننا فشلنا من جديد. من الذي فشل؟

كلنا فشلنا، النخب التي تتشدق ليل نهار بمصطلحات لا يفهمها الناس حتى جاءهم من يتحدث لغتهم و"أكل" أدمغتهم. الأكاديميون الذين يعتقدون أنهم وصلوا قمة هرم العقل البشري ويتطلعون إلى العوام على أنهم لا يعرفون الحقيقة بينما الواقع أنهم هم من لا يعرفون شيئاً عن الناس وطرق تفكيرهم، فيؤدي انغلاقهم هذا إلى انفصال تام عمّا يحدث حولهم (رحم الله الدكتور عبدالوهاب المسيري الذي كان يقول أن المثقف مكانه الشارع، ولم يكن يقصد شارع مقاهي النخبة!).

فشل أصحاب رؤوس الأموال الذين يبحثون عن المنفعة بغض النظر عن أثرها على المجتمع ويدخرون الكنوز كأنهم مخلدون في الأرض، وفشل عامة الناس في اختبارهم الخاص واختاروا أن يتبعوا خطوات شياطينهم.

يبدو أن البشرية تفشل على كل الأصعدة في أماكن كثيرة من العالم، وها نحن نشاهد المأساة تتكرر هنا وهناك، دعونا إذاً نتفق أن لا أحد معصوم، ولا مجتمع سيء بالكلية، ولا أمة ساقطة عن بكرة أبيها، ولكن هناك سوء تقدير للأمور، سوء إدارة للواقع، وضعف من قبل الأقليات تحديداً في مواجهة تحدياتها مجتمعة معاً في وجه العنصرية المركزية، أو الاستبداد المركزي. في أي سياق تسيطر عليه النزاعات الفئوية حيث يبحث كل مجموع بشري عن مصلحته منعزلاً عن آخرين يشاركونه المظلومية، يجد المستبد طريقة يهزم بها الجميع.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة