في الاغتراب

في الاغتراب ستجيد الهرب، فما خرجت إلا هاربا، لتجد دوما ما تؤثث به عدم أسئلتك وقلقك، من توهم نفسك سؤال المعنى والمغزى، إلى ملء كل وقتك بما تستطيعه وما لا تستطيعه بجدوى ودون جدوى، مرورا بكل الأماكن الجديدة التي لم تكتشفها في المغترب، وفيك، لتتناسى -ولا تستطيع- ضحكة أمك التي باغتتك صباحا وسكنت يومك هاجسا وسعة، أو بحة دافئة/متعبة في صوت أبيك كنت تستند عليها كلما ضاقت بك الأيام، أو ذكريات غرفتكم، أنت وشقيقيك، التي كانت تشبه كل شيء إلا الغرفة لكنها كانت "غرفتكم"، أو حنان شقيقتك الكبرى، ودلال الصغرى.
 

فما الاغتراب إلا أن تعلق في تقاطع كثيف في الزمان والمكان أعادك للحظة كالخلد، فاتت ولا تعود، كانت لكما خارج الزمان والمكان، أو عجزك في المسافة وأنت ترى العرق في روح صديقك، أو لمعة العينين/ انطفائها، من بعد، في كل ما فاتك من أفراح الأحباب وأتراحهم.
 

ستقف وحدك، بين أسئلتك الوجودية، وأنت عائد بعد أن ينتصف الليل وينام أبناء البلاد -ذاك أن عليك ما عليهم من اليومي، وليس لك ما لهم من ترف السكن- ثم تجد نفسك قد غرفت فجأة في أبسط أسئلتك اليومية.

لا وطن إلا ما حفرته التجربة في قلبك وكفك، ولا معنى إلا لضحكات من أحببت، ولا أقسى من بعدك عنهم رغما أو رغبة.

كنت تفكر وأنت عائد من تعلم اللغة الجديدة "لماذا أفعل هذا؟"، إلى سؤال اللحظة المباشر، عن الغسيل والطبخ -وكأنها بالنسبة لك لغة أوشكت على الانقراض أو ما تبقى من نسبية آينشتاين العامة-: "كيف أفعل هذا؟"؛ من أقصى الذاتي إلى آخر الموضوعي، ومن أعمق الجواني إلى أتفه الخارجي، ومن معنى الوجود إلى كيفيته.
 

ستظل موسوما بـ"الغريب"، وإن فهمت اللغة التي يصفونك بها، تخشى الاستقرار والسكن، فتتجنب غرفتك ما استطعت إلا للنوم، وترافق الحواف والدروب، وتستأنس بقطط الشوارع الأنيسة، يخفيك من المدينة الإمبراطورية جغرافيتها الناتئة في كفيها المجتعدين، بحرا وشوارع صغيرة وحارات قديمة، بقدر ما يخيفك فيها تمدنها القديم/ الحديث الذي لا يشابه تاريخك المتقطع، أو مستقبلك الضبابي.
 

لك من الرحلات الدروب، "زاهدا فيما سيأتي، ناسيا ما قد مضى"، ولك من الضوء هشاشته، ترى وجها فيربك ترتيب أيامك، أو تذكر قصة فتأخذ قرارا مصيريا جديدا، عكس ما اتخذته أمس وأنت تشاهد فيلما أو تقرأ قصة، كما تجرحك نسمة الهواء الباردة من الحنين، مضطربا، إذ تنفجر بكاء على أتفه ما كان، ولا تبالي بالعاصفة، منطفئا في تكرار زمانك وأماكنك.
 

لا وطن إلا ما حفرته التجربة في قلبك وكفك، ولا معنى إلا لضحكات من أحببت، ولا أقسى من بعدك عنهم رغما أو رغبة؛ فإن لم يكن لك ترف الاختيار في اغترابك، فلا تغترب، حبا بتجربة أو حلما بجديد؛ وإلا؛ إن لم يكن من هذا الاغتراب بد؛ فاذكر دوما لماذا اغتربت، واستند على هذا الجواب، وتدًا لعواصف الأيام؛ وعش تجربتك حتى أقصاها، وأقصاك.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قيل في لعنات الغربة ما قيل، حتى بدا أي بلد آخر بالنسبة للبلد الأم جحيما لا يُحتمل، يغترب فيه الكاتب والفنان والعالِم، فإذا ما أنتج كان نتاجه كئيبا موشحا بالسواد.

مفكر إصلاحي إسلامي سوري؛ عاش في العصر الأخير من الدولة العثمانية، واشتهر بنضاله الفكري ضد الاستبداد السياسي، وقاسى في سبيل ذلك الكثير من آلام الغربة والهجرة ووحشة السجن وعذاب الاضطهاد.

الأكثر قراءة