١١/١١ هل هو يوم الخلاص؟

ثورة الشباب

مازالت وجهات النظر متفاوتة جداً في ترقب ما قد تسفر عنه الأحداث يوم الجمعة القادم، فمازال الحدث لقيطاً لا يعرف له منبتاً، والناس منهم من هو متفائل بثورة الجياع التي ستدمر كل شيء بأمر ربها!! فمن يحرك قوى الشعب تلك ومن حدد لها الموعد يا ترى؟

ومنهم المتشائم الذي يراها -كما يرى كل شيء- من أساطير النظام، لإحباط الناس بعد تفريغ الحدث ثم إمضاء بقية القرارات الاقتصادية المرعبة!! فكيف يعبث النظام بمستقبله الغائم في ظل حالة الإحباط تلك، ويصدر دعوة تبدو كالمعارضة ضد نفسه، ويغامر بالترويج لحدث قد يعطي شرارة البدء لتحرك شعبي غاضب، أو يعطي الفرصة لغريم طامح؟!

الفترة الحالية هي مرحلة إحراق الكيانات الصغيرة وإجهاضها، وليست كالمرحلة التي تلت ثورة ٢٥ يناير

ومنهم من يحلق على جناحي طائر، فيزعم أن تلكم الدعوة هي ترجمة لحالة صراع بين "أجنحة النظام"؟ فأين بقية الأجنحة إذاً؟ وهل من حريص على وراثة هذه التركة المفلسة والمديونة والعقيمة؟ أو أن يمسك قرني البقرة الهائجة بعدما جفف الضرع حالبه؟!

وقبل أن أرجح خياراً معيناً، توجب تحديد خريطة الواقع وأطرافه الفاعلة داخلياً وخارجياً، وتنبؤات المآل لهذا اليوم وما قد يتبعه من أحداث.

وتنبغي هنا ملاحظة أن الفترة الحالية هي مرحلة إحراق الكيانات الصغيرة وإجهاضها، وليست كالمرحلة التي تلت ثورة ٢٥ يناير، إذ كانت صانعة للكيانات الجديدة والناهضة، كما أجبرت الكيانات التقليدية على الكمون والانزواء.

فقد أدى الانقلاب العسكري والسحق الشامل لكل قوى الشعب وهياكله وعناصره، بالإضافة للإنهاك المجتمعي تحت وطاة التخويف من الإرهاب والشقاق الاجتماعي والقرارات الاقتصادية الرهيبة، وكل هذا أدى إلى خصخصة الصراع بين طائفتين فقط وهما العسكر على رأس قوي النظام، والإخوان على رأس القوى الإسلامية وربما القوى الشعبية برمتها.

وبالإضافة إلى قوى الثورة المضادة والإخوان، فهناك الدور الغربي وخاصة الأمريكي؛ إذ يبدو واضحاً أن ما يجري في مصر يتفق تماماً مع الاستراتيجية الأميريكة والتي تعتمد على الإدارة بالأزمة، عن طريق خلق صراعات فوضوية تكون ضاغطة على كافة الاطراف فيها، بحيث تعمل على إضعافها جميعاً فلا يتمكن أحد من مواجهتها أو تحجيم سيطرتها، مع الاحتفاظ بخيوط الأطراف المؤثرة في يديها، ويترتب على ذلك في الحالة المصرية؛ ترك الوضع ليصفي بعضه بعضاً، بينما تتدخل هي في المشهد الأخير لحرف المسار لصالحها.

وهذه الحالة ثلاثية الأطراف -العسكر والإخوان والأمريكان- خطيرة للغاية إذ تم تعجيز جماعة الإخوان بنسبة كبيرة جداً، كما أنها لا تمثل سقف خيارات العمل الإسلامي بل ولا الوطني، والأخطر من ذلك هو قابليتها للانثناء والانضغاط أو الانحناء، وربما قبول خيارات نهائية لا تلبي تطلعات أبنائها فضلاً عن كل المناضلين والثوار ممن دفعوا معها أثماناً باهظة.

وفي ظل هذه الأوضاع وبعد كل التضحيات فلا ينبغي أن تشغلنا قضية "الأسبقية" في الدعوة لثورة جديدة أو أولية المشاركة فيها أو نحوها مما كان قد أثير بعد ثورة يناير لإشغال الإسلاميين فقط، وقد انساقوا إليها بمنتهى الأريحية.

والجميع يعلم من هي القوى الثائرة على الدوام والرافضة للظلم والمجاهدة ضده في كل العصور، ولأن القوى المناوئة تعلم ذلك، ولكونها كانت مستجدة في هذا المضمار ، ولأنها كانت ربيبة كل نظام عسكري علماني سابقاً؛ وإن تزيت بزي المعارضة الرقيقة والمكلمة لصورته مع عدم رفضها لفلسفته وآلياته، لأنها كل ذلك فقد أرادت أن تنفي حقيقة قوة الإسلاميين وامتدادهم وقدرتهم المتفردة على الحشد والتنظيم ومقاومة النظام!!

لكن الأوضاع كانت هشة ما بعد ثورة يناير إثر ٣٠ عاماً من تجفيف المنابع السياسية في مصر، فسرعان ما عادت كل ريمة إلى عادتها القديمة، فأما أولئك فارتموا مجددا في أحضان النظام القديم، وأما الإسلاميون فقد عادوا -بأخطائهم- إلى نضالهم القديم.

كما أن تعقيدات الواقع قد ضائلت من قيمة ما يسمى بالاصطفاف مع القوى العلمانية والتي يظنها بعض الإسلاميين طوق النجاة، وليس ذلك بمعنى الصدام أو المناحرة بالضرورة، وإنما الذي يتحتم هو استعداد القوى الإسلامية -وهي الفاعلة والحقيقية- وعلى رأسها الإخوان بالجهوزية الكاملة للإجهاز على النظام حال تفجر الأوضاع.

وإن المتأمل للأوضاع في مصر ليمكنه أن يضع السيناريو الحقيقي لسقوط النظام، إذ لا يخفى على عين مراقب حالة التضارب التي يعانيها النظام، وإن أراد ان يبدو متماسكاً أو غير مبال بما يجري، كما يظهر الهلع على كثير من أذرعه فالجميع في سلة واحدة، والهياج القادم سيكون ضد طبقة كاملة تمثل هذا النظام، فالإسلاميون في السجون، والنظام الجديد/القديم هو المسئول الأول عن كل أحوال البلاد المتردية للغاية.

المتأمل للأوضاع في مصر يمكنه وضع السيناريو الحقيقي لسقوط النظام، إذ لا يخفى على عين مراقب حالة التضارب التي يعانيها 

ولذلك وأيا كانت الجهة الداعية لفعاليات ١١ نوفمبر القادم، فقد تكون القشة التي تقسم ظهر النظام إذا حدث انفلات يغري الجموع الغاضبة "والجائعة" أو "الكتلة الحرجة" بمعنى أصح بالنزول إلى الشارع، سواء كان النظام هو من يفتعل بغباء هذه الدعوة لتمرير الإحباط، واستباق أية دعوة حقيقية، وإظهار قدرته على فعل ما يشاء، أو كانت قوى مناوئة له من داخل النظام أو خارجه -وهو أقوى- مع ملاحظة أن هؤلاء الجائعين الذين تنتظر ثورتهم؛ هم جبناء أيضاً.

فلباس الجوع  قرين رداء الخوف ولا غرو، وغاية أمر العامة أنهم لا يتحركون إلا إذا استيقنوا بارتخاء يد السلطة وأمنوا العاقبة، لكن خطورة هذه الحركة ساعتئذ أنها فوضوية نهبوية غير مهدفة ولا مؤطرة ولا مقودة، تحكمها طبائع الغاب وتستفرغ فيها غرائز وأحقاد المكبوتين والمقهورين.

وما سبق يرشح أننا مقبولون -في حال حدوث هذا السيناريو- على فوضى عارمة وليست ثورة ناجحة، وقد يطيل أمد هذه المأساة عدم وجود قوى ناهضة لاستلام لواء الثورة وإخضاع بقية الأطراف، مما قد يغري بعض الأطراف الخارجية للتدخل في ظل حالة انهيار غير مسبوقة، تجعل فرض نظام محاصصات سياسية "طائفية" شيئاً وارداً، أو اقتطاع مناطق حمائية، أو ربما فرض مناطق نفوذ شبه مستقلة في سيناء أو النوبة وغيرها.