هل المجتمعات الملحدة أكثر سعادة حقا؟

يحاجج "الملحدون الجدد" في مجتمعاتنا المنكوبة بأن الدول الغربية التي ينتشر فيها الإلحاد هي التي تتمتع شعوبها بأعلى قدر من السعادة، مثل الدول الإسكندنافية، وذلك استنادا لاستطلاعات رأي تُنشر كل عام، فهل تصلح هذه الحجة "الجدلية" لتكون برهانا في أي مناظرة منطقية؟

تعتمد تلك الاستطلاعات على مؤشرات عديدة تحدد مفهوم واضعيها للسعادة، مثل الشعور بالأمن وتوفر الخدمات الأساسية وسيادة القانون والديمقراطية وحرية التعبير. لكن هذه المؤشرات لا تتعلق غالبا بمدى الرضا النفسي لدى الأفراد، بل تهتم بمؤشرات الراحة المتعلقة بالحاجات الأساسية لدى الإنسان ومدى إشباعها، وهي حاجات مادية واجتماعية فقط.

المرتبة الأخيرة في قائمة الدول الأكثر سعادة التي شملت ثمانية وستين دولة، فكانت من نصيب فرنسا وإيطاليا معا، وجاءت اليونان قبلهما.

والأهم من ذلك أن استطلاعات الرأي المتعلقة بالسعادة تقدم نتائج متباينة جدا بسبب اختلاف معاييرها، فعلى سبيل المثال نشرت صحيفة "الإندبندنت" البريطانية في 9 يناير/كانون الثاني 2016 استطلاعا للرأي أجراه معهد "غالوب" الأميركي عن الدول الأكثر سعادة في العالم، فجاءت الدول العشرة الأولى بالترتيب التالي من الأسعد إلى الأقل سعادة: كولومبيا، فيجي، السعودية، أذربيجان، فيتنام، الأرجنتين، بنما، المكسيك، الإكوادور، وأخيرا الصين وأيسلندا معا في المركز العاشر.

وقد أبدت الصحيفة اندهاشها الكبير من هذه النتائج، فمعظم هذه الدول تعاني من أزمات تنموية ومشاكل في مجال حقوق الإنسان، بل تفتقر المدن الكبرى في الدولة الأولى (كولومبيا) لأبسط مقومات الأمن والسلامة بسبب انتشار العصابات والفساد الحكومي، بينما جاءت الدولة الأوروبية الوحيدة (آيسلندا) في آخر قائمة الدول العشر.

أما المرتبة الأخيرة في هذه القائمة التي شملت ثمانية وستين دولة، فكانت من نصيب فرنسا وإيطاليا معا، وجاءت اليونان قبلهما.

وقد يزداد القارئ دهشة إذا علم أن الصحيفة نشرت قائمة أخرى بعنوان "الدول الأكثر تفاؤلا"، حيث تصدرتها دولة إفريقية حافلة بالمشاكل هي نيجيريا.

ولكي تتضح الصورة من كل جوانبها، جاءت نيجيريا نفسها في المرتبة الثامنة والسبعين على قائمة الدول الأكثر سعادة بحسب "تقرير السعادة العالمي" عام 2015، وهو التقرير السنوي الأكثر شهرة. وبما أنه يعتمد على معايير مادية بحتة؛ فإن الدول الغربية هي التي تتصدر قائمته كل سنة.

ومع ذلك، إذا افترضنا جدلا أن الدول التي تشهد أعلى نسب الإلحاد بين شعوبها هي التي تتصدر فعلا قوائم السعادة بكل المعايير، فلا ننسى أن هذه الدول لم تحقق نجاحها الاقتصادي والتنموي بسبب الإلحاد واللادينية.

الإلحاد حالة مرَضية شاذة في تاريخ الأمم، وانتكاسة للجنس البشري بعد إغراقه في شرعنة النهب والإبادة والاستعباد.

بل أقامت نهضتها على جملة من العوامل والمتغيرات التاريخية المعقدة، والتي لا نجد الإلحاد من بينها، فالثروة التي بنت عليها أوروبا اقتصادها الحالي هي في معظمها خيرات القارات الأخرى المنهوبة منذ بدء ما يسمى بعصر الاكتشافات الجغرافية في القرن السادس عشر، ومرورا بالاستعمار والاحتلال المباشر في القرنين الأخيرين، وصولا إلى رأسمالية الشركات العابرة للحدود القائمة اليوم. وعندما اعتمدت أوروبا النظام الرأسمالي إبان الثورة الصناعية كان الدين من أهم المحفزات على العمل والنجاح الاقتصادي، وهذا ما يؤكده ماكس فيبر في كتابه "الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية" الصادر عام 1905.

أما الإلحاد الشائع اليوم في الغرب فلم يتحول إلى ظاهرة جماعية إلا بعد أن استقر النظام العالمي على ما هو عليه، وبعد أن تحولت معظم ثروات العالم إلى تلك البقعة الصغيرة التي لا يسكنها أكثر من عُشر سكان الكوكب، وبعد إبادة عشرات الملايين من السكان الأصليين في أمريكا الشمالية وأستراليا تزامنا مع استعباد عشرات الملايين من العمال والمزارعين بعد شحنهم كالحيوانات من أفريقيا.

فالإلحاد إذن ليس هو سبب سعادة الإنسان الذي يعيش على أنقاض تلك الوحشية المنسية، بل هو أحد أعراض الخواء الروحي الذي جاء كنتيجة حتمية للعلمانية المادية الشاملة، وهو حالة مرَضية شاذة في تاريخ الأمم، وانتكاسة للجنس البشري بعد إغراقه في شرعنة النهب والإبادة والاستعباد.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

تركي الحمد روائي وأكاديمي سعودي، يحمل شهادة الدكتوراه في السياسة ويعتبر أحد رموز التيار الليبرالي بالسعودية، وقد أثارت رواياته وكتاباته جدلا واسعا في الوسطين الديني والثقافي إلى حد اتهامه بالإلحاد.

مواجهة كتابات بعض الملحدين.. الكيفية والحيثيات، إشكالية الاتهام بالإلحاد بين القبول والرفض، معالجة الأمور الخلافية، أسباب انتشار الفكر الإلحادي في الآونة الأخيرة.

الصراع بين العلمانيين والإسلاميين في الدول العربية، المساواة بين العلمانية والإلحاد، دور بعض العلماء المسلمين في إنجاز المشروع العلماني، العلمانيون العرب والعودة إلى مدرسة الاستشراق الغربية، الخلاف الفلسفي بين الإسلاميين والعلمانيين.

اهتمت الصحف الأميركية الصادرة اليوم بما اعتبرته إحداها تعذيبا بالخفاء، في إشارة إلى الوثائق التي تم الكشف عنها أمس حول تعذيب السجناء في العراق وأفغانستان. كما تناولت خبر جرح الرهينة الإيطالية على أيدي الجنود الأميركيين وتراجع الإلحاد في العالم.

الأكثر قراءة