كيف تصبح أديباً في ثلاثة أيام؟

blogs - writer
بعد ظهور الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي خاصةً أصبح من السهولة بمكان أو من المألوف أن يشتهر فلانٌ على أنه أديب أو شاعر، وحينها يتابعه آلافٌ على صفحته على فيسبوك أو غيرها من وسائل التواصل الاجتماعي، ورغم أن للفظتي "الأدب" و"الأديب" العديد من التعريفات إلا أن إطلاق مثل هذه الكلمات على كاتب معين أو على كتابات محددة أصبح وارداً جداً في هذه الأيام.

سأنتقل الآن للحديث بلغة المخاطب لأقدم للقارئ الكريم بعض النصائح لكي يصبح أديباً في ثلاثة أيام على طريقة الأدباء والكتاب الجدد:

لا شك أن العقاد أو المازني أو شوقي لو كانوا في زماننا لذرفوا الدموع الغزيرة على الحالة الأدبية والثقافية التي وصلنا إليها في هذه الأيام.

1-اقرأ كتابين أو ثلاثة كتب من الأدب الرومانسي الرخيص مع بعض روايات المراهقين وبعض القصائد.
2-حاول أن تكتب أي شيء يجول في خاطرك، وخاصة إذا كنت قد تعرضت لصدمة عاطفية فهذا يساعد على أن تكون لغتك أكثر شاعرية.
3-أنشأ صفحة على إحدى مواقع التواصل الاجتماعي، واختر صورة مناسبة لها.

4-أطلق اسماً رومانسياً لصفحتك (الليل والقمر والنجوم والكواكب والحب والنسيان) كل هذه الأسماء ومشتقاتها تخدم الموضوع.
5-أبدأ بنشر ما كتبته وما ستكتبه تحت اسم مستعار ثم ضع اسمك الحقيقي.
6-تبادل الإعلانات مع باقي الصفحات المشابهة لمضمون صفحتك، وستجد الآلاف من المتابعين المتلهفين لكتاباتك وأشعارك.

حسناً بعد مدة يصبح لدينا "أديبٌ" جديد في طابور الأدباء، هذا الطابور الذي صار يمتلئ بالغث وغاب عنه النفيس إلا فيما ندر. ولكن هل نحتاج نحن العرب في هذا الظرف التاريخي الحرج إلى مثل هذا "الأدب" هذا إن صحت تسميته بأدب؟

فنحن في الفترة الأخيرة أصبحنا نٌعايش حالة من الهبوط الأدبي والثقافي يقودها مجموعة من الهواة والمبتدئين الذين يعزفون على أوتار تحريك مشاعر الشباب المفتقد للحب والجمال الحقيقيين، فيصنع هؤلاء الكتاب حول أنفسهم ما يشبه هالة أدبية أو ثقافية من خلال صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، ولعل هذا الأمر من سلبيات هذه المواقع.

عزز بروز هؤلاء الكتاب ما سبقه من نشر مسلسلات وأفلام عاطفية خيالية تُصور الحب بين الشاب والفتاة وكأنه قصة خيالية من قصص ألف ليلة وليلة، أو رواية شرقية بختامها يتزوج أو لا يتزوج الأبطال!

وجاء هؤلاء الكتاب من خلال صفحاتهم ليكملوا المشهد من خلال كتابات مبتذلة عن الحب والعشق والهيام، والنزول بهذه الكلمات التي تنطوي على معاني نبيلة للنفس البشرية إلى دركات سفلى، حيث تُفرغ هذه الكلمات من معانيها الجميلة ويعاد تسويقها وتكرارها بشيء يبعث على الاشمئزاز في النهاية.

ما قيمة الأدب إذا لم ينفع الناس ولم ينصر المظلومين ويقف في صفهم؟؟ وما قيمة الأدب إذا لم يقف على أمراض المجتمع فيشخصها ويسعى لتقديم الحلول؟

لا شك أن العقاد أو المازني أو شوقي لو كانوا في زماننا لذرفوا الدموع الغزيرة على الحالة الأدبية والثقافية التي وصلنا إليها في هذه الأيام، فالعرب منذ قديم الزمان اشتهروا بأنهم أهل اللغة والخطابة والشعر، ولذلك جاء القرآن الكريم معجزاً على نبي الإسلام -صلى الله عليه وسلم- ليتحدى به العرب في أعظم ما يمتلكونه وما ورثوه عن أجدادهم.

لكن رغم ما يبدو على المشهد الأدبي في زماننا من قتامة وظلمة إلا أن بعض بوارق الأمل بدأت تلوح في الأفق ،وأن أقلاماً بارعة بدأ يسيل حبرها متدفقاً ليزيل عتمة مشهدنا الأدبي الحالي، ورغم ما نشاهد الآن من عشرات الصفحات التي تسمى بالأدبية والتي لا تعدو أن تكون سوى صفحات أدب "مٌراهقي" أو "صبياني" إلا أننا نجد في المقابل صفحات تبحث عن كتاب وأدباء حقيقيين يعرفون قيمة الأدب وسطوة الكلمة وتأثيرها وتنشر لهم ما يكتبونه، و لعل منها مدونات الجزيرة وما سواها من باقي المدونات الهادفة والتي نجد فيها عدداً لا بأس به من الكتاب والأدباء الذين يبعثون الأمل بالنفوس بعودة نهوض الحركة الأدبية والثقافية في وطننا العربي.

لن يصبح أحدٌ أديباً أو كاتباً متقناً في ثلاثة أيام ولا في ثلاثة أسابيع فهذا ضربٌ من الخيال، فالأمر يحتاج لعشرات الساعات من القراءة في الآداب الإنسانية العظيمة ثم التفكير في ما قُرأ، والغوص في معاني الأمور، وتذوق الجمال الموجود في هذا الكون ومكوناته، والاطلاع على كتب اللغة القديم منها والحديث، وتشكيل ذاكرة من المفردات التي تخدم في الكتابة وإيصال الفكرة بصورة محببة وجميلة، ومع بعض العثرات في بداية الكتابة، والتعلم من الأخطاء يبدأ بعدها القلم في التدفق عذباً وسلسبيلا كالعين والينبوع فيروي الناس بهما ظمأهم للقراءة والأدب وينتفعون، إذ ما قيمة الأدب إذا لم ينفع الناس ولم ينصر المظلومين ويقف في صفهم؟ وما قيمة الأدب إذا لم يقف على أمراض المجتمع فيشخصها ويسعى لتقديم الحلول؟