هل نعيش بداخل قوقعة؟

blogs-قوقعة
تسارعت أنامله على لوحة المفاتيح واضعا اللمسات الأخيرة على مقاله السادس لينشره في العالم الافتراضي، عالم يستطيع البشر التواصل به لحظيا مهما كانت المسافات التي تفصلهم أو الفوارق الزمنية بينهم، عالم تستطيع منافسة أشهر مذيعي التلفاز بكاميرا وميكروفون ووصلة إنترنت وتفتح لك فيه منصات النشر أبوابها لتشارك في ملؤها بقلمك.. ولكن هل يصل هذا المحتوى المكتوب أو المرئي إلى من نرغب بوصوله إليهم؟
 
لو تحدثنا عن "الفيسبوك" كمثال، فسنجد العكس تماما هو الصحيح، قمت بتجربة إنشاء حساب جديد كليا ونثرت بضعة إعجابات على بعض المنشورات السياسية، فامتلأ الموقع على الفور بالعديد من الصفحات المشابهة والأصدقاء المتشابهين، كررت نفس التجربة ولكن بإعجابات لفصيل سياسي منافس، فإذا بذلك الفصيل يكتسح الصفحة الرئيسية الخاصة بالحساب.

المؤيد للسلطة لا يشاهد إلا قنوات معينة ومذيعين معينين ويكره تماما مجرد ذكر أسماء القنوات المعارضة والأمر ذاته بالنسبة للمعارض.

إذا كان هذا هو تأثير "بضعة" إعجابات فما ظنكم بمن يعجب يوميا بالعديد من الصفحات لا لشيء إلا لأنها تريحه وتتشابه معه، النتيجة المنطقية هي تحول الشخص إلى حلزون بداخل قوقعة، وفي الواقع الذكاء الاصطناعي للفيسبوك لم يتم تصميمه بهذا الشكل بسبب غباء مصمميه بل على العكس..

فهؤلاء المصممون يعملون على إراحة الزبون ليستمر بالتصفح ونجاح تلك الاستراتيجية لا يعني إلا أن طائفة كبيرة من البشر اليوم بالفعل تسعى للراحة حتى لو كانت ستدفعه إلى قوقعة وتنسيه ما قد يستفيد به من البحر الواسع، قوقعة قد تكون ممتلئة بالأكاذيب أو ضيقة الأبعاد وقد تكون قوقعة نافعة ولكن هل النفع مطلق أم نسبي؟ وهل يعقل ألا يكون في هذا البحر الواسع قواقعا أجمل أو قواقعا أكثر قبحا يزيدون من تمسكنا بقواقعنا؟

تنعكس هذه الفكرة على مواقع التدوين والنشر، فالسياسي المؤيد للسلطة نسبة كبيرة من متابعيه يحملون فكراً مطابقا لما يحمله، يكتبون له التعليقات المحفزة ويحللون كتاباته فيما بينهم والكاتب المعارض تجده متابعا من المعارضين ونادرا لما تجد العكس إلا لو دخل أحدهم مقالة الآخر في سبيل السب والسخرية.

يتكرر الأمر في القنوات التلفزيونية وخاصة في القنوات عديمة المهنية التي تدعم أشخاصا أو أحزابا وتتبنى الدفاع عنهم أو مهاجمة معارضيهم بدلا من نقل الحدث ونقل الآراء المختلفة إلى الجمهور فتجد المؤيد للسلطة لا يشاهد إلا قنوات معينة ومذيعين معينين ويكره تماما مجرد ذكر أسماء القنوات المعارضة والأمر ذاته بالنسبة للمعارض.

كل هذه الأمثلة التي لا تقتصر على السياسة فقط ولكن على الرياضة والموسيقى والفن والاقتصاد وكل ما هو مؤثر على الإنسان تدعونا للتساؤل حول فعالية الوسائل الإعلامية الحديثة، هل يمكن أن تستخدم في إيصال وجهة النظر إلى من لا يتبناها أصلا لمحاولة إقناعه أم اننا نصل فقط إلى من يرغب بوصولنا ونعجز عن الوصول لمن نرغب بالوصول إليه؟