حتى لا يكون مبارك فاروقا آخر

blogs - Mubrk

انفجرت -في الآونة الأخيرة- موجة إعجاب بالحقبة الملكية المصرية، وشرع الكثيرون في مدح أولاد "محمد علي" وأيامهم، وحتى الأخير "فاروق" وقت أن كان الجنيه المصري أقوى من الدولار الأمريكي، وكانت المملكة المصرية تُقرِضُ الدول العظمى؛ مثل: بريطانيا، وبلجيكا، وإيطاليا، والمباني كانت تُبنى على الطراز الإنجليزي، واليوناني، ويَمْتَدِحون شوارع القاهرة التي كانت قطعة من باريس، ولندن!

 

تلك الروايات تجعل أكثر المصريين الذين قضوا أغلب أعمارهم في الحكم العسكري -بعد انقلاب عام (1952)-؛ يتوهمون أن تلك الحقبة هي أجمل ما عاشته مصر، وأن ما نعيشه اليوم سببه تمردنا على الملكية التي كانت مصر تَرفَل في نعيمها! وهذا أمر طبيعي لشخص يقارن بين السيئ والأسوأ؛ فنموذج الدولة السيئ لحقبة أولاد محمد علي يجعل كل مَن تربى في النموذج الأسوأ (الحكم العسكري) يَتُوقُ إليه بكل مساوئه وعيوبه، كالمستجير من النار بالرمضاء.

 

وفي حقيقة الأمر؛ أن مَن يتغزلون في عهد ملكية فاروق يجهلون فساده وفساد حاشيته من الإقطاعيين والأجانب الذين تحكموا في الاقتصاد المصري؛ من خلال نظام الإقطاع الذي كان يعمل فيه الفلاح مقابل الطعام والشراب فقط! كما يجهلون ثروته التي قُدِّرَت -قبل انقلاب (52)- بـ(96) ألف فدان، وذلك غير المخصصات المالية الملكية التي جاوزت -آخر عهده- المليون جنيه، في حين لم يلتفت إلى قرى وأحياء مصر التي كانت تَعِجُّ بالفقر.

 

خَتَمَ حسني مبارك عصره البغيض بقتل مَن خرجوا للتعبير عن رأيهم في الشوارع إبَّان ثورة يناير 2011 المجيدة؛ التي طالبت بخلعه ورحيله، والتي راح ضحيتها أكثر من (800) قتيل

فالحالة الاجتماعية للمصريين في الحقبة الملكية كانت من أسوأ ما يكون، وهناك دراسة للمؤرخ الراحل د. رءوف عباس بعنوان: "الحركة الوطنية في مصر (1918ـ1952)"؛ يوضح فيها أن نسبة الـمُعْدَمين من سكان الريف بلغت (76%) عام (1937)، وحين تذكرهم فاروق؛ دَشَّن لهم حملة "مكافحة الحفاء"؛ حيث كان أغلب الفلاحين في مصر يمشون حفاة الأقدام! وكانت الأمية منتشرة بشكل مُـخِيف؛ حيث بلغت نسبتها أكثر من (80%). أما الوضع الصحي؛ فكانت "البلهارسيا" منتشرة في الشعب بنسبة (45%)، وغيرها من مختلف الأمراض التي نتجت عن سوء التغذية.

 

أما عن القاهرة التي يتغنون بها وبشوارعها؛ فقد كانت حِكرًا للباشوات والبَكَوات والجاليات الأجنبية؛ للاستمتاع بالمقاهي والسينمات والمسارح، أما المصريون البسطاء الذين يمشون في هذه الأحياء؛ فقد كانوا من الخدم أو العمال الذين يخدمون في بيوت الأثرياء.

 

أما سياسيًّا؛ فالحراك السياسي والديمقراطية -التي يمتدحها البعض- كانت تُدار في أضيق الحدود؛ فهي كما شبهها الكاتب الراحل محمود عوض بـ "ديمقراطية الكيلومتر مربع"؛ ويقصد بها أن المتحكمين في المشهد السياسي كانوا متجاورين، بدءًا من القصر الملكي في عابدين، إلى السفارة الإنجليزية في جاردن سيتي.

 

أما عن السياسة الخارجية والكذبة التي يتناقلها البعض بأن بريطانيا كانت مدينة لمصر؛ فلم يكن الأمر يرجع إلى قوة الاقتصاد المصري؛ بل بسبب ما حصلت عليه بريطانيا عَنْوةً من مصر من محاصيل وسلع وخِدْمات، أو مقابل استخدام الأراضي التي كانت تعتبر مقاطعة إنجليزية -إن صح التعبير- أثناء الحرب العالمية، بالإضافة إلى التعويضات التي كانت ستؤديها بريطانيا لصالح آلاف المصريين الذين شاركوا في الحرب العالمية لصالحها، والتي لم تطالب بها مصر لمدة (30) عامًا قبل انقلاب (52)، وأُغْلِقَ الملف إلى ما بعد تأميم قناة السويس.

 

هذا غيض من فيض من فساد فاروق فقط، دون ذكر فساد مَن سلفه حتى جده الأكبر محمد علي باشا. هذا؛ ولم نتطرق إلى مغامرات فاروق الصبيانية المراهقة مع النساء التي يعلمها عنه الجميع!

    

ومع انقلاب (52) على فاروق، وإعلان الجمهورية وانتهاج سياسات ظاهرها العدل والمساواة وباطنها الفساد والظلم وانعدام الحكمة؛ دخلت مصر في حِقبة أكثر تَرَدِّيًا وسوءًا من الحقبة الملكية -وإن كان الظاهر غير ذلك-، وازداد الظلام ظلامًا مع تناوب العسكريين على السلطة؛ بدءًا من عبد الناصر إلى حسني مبارك، حتى وصل الأمر ذروته بثورة يناير، وانفجار الغضب الشعبي الذي أطاح -ظاهريًّا- بحسني مبارك.

    

الشاهد من تلك المرويات أن: الجيل الذي تربى في فترة تَقَلُّد العسكريين الحكم؛ بدأ البعض منهم يقارن السيئ بالأسوأ، بل تمنى البعض منهم إرجاع الملكية مرة أخرى؛ لانخداعه بالكذب المروي له عن تلك الحقبة السوداء من تاريخ مصر.

    

والآن؛ يتكرر ذلك المشهد، ولكن بفارق زمني مختصر جدًّا مع السيسي وحسني ومبارك، وتتكرر تلك النماذج التي تتمنى رجوع الملكية في إرجاع حسني مبارك مرة أخرى للحكم؛ ويرجع ذلك إلى أن: معدل التدهور الذي كان على يد الرؤساء العسكريين من أول عبد الناصر إلى مبارك طيلة الستين عامًا؛ اختصره السيسي بل زاد عليه أضعافه خلال (3) سنوات من حكمه؛ فتاقت النفوس التي عاشت في فساد السيسي -الأسوأ على الإطلاق في تاريخ مصر- إلى عهد فساد حسني مبارك السيئ فقط.

    

وحتى لا يتكرر نموذج المشتاقين إلى الملكية مرة أخرى؛ علينا أن نوعي الأجيال الجديدة بفساد (حسني مبارك) وقذارة حاشيته؛ حتى لا يتم تجميله ونسيان جرائمه في حق الشعب ويتم تصديره على أنه بطل قومي وثار عليه الشعب الـمُتَبَطِّر!

    

فحسني مبارك الذي حكم مصر (30) عامًا بالحديد والنار، واحتلت مصر في عصره المرتبة الأولى في الفساد وأنواع التعذيب؛ في عام (2008) احتلت مصر المركز (115) في مؤشر الفساد عالميًّا على مستوى (180) دولةً -بحسب تقرير منظمة الشفافية الدولية-، كما ارتفع الدولار الأمريكي في عهده من (85) قرشًا عام (1981) إلى (7) جنيهات عام (2010)، وفي مارس (2010) أصدر (مركز الأرض) لحقوق الإنسان تقريرًا أفاد فيه بأن: أكثر من (39) مليار جنيه أُهدرت في الآونة الأخيرة من خزانة الدولة؛ بسبب الفساد المالي والإداري في الحكومة المصرية، بالإضافة إلى أن هناك خسائر قُدِّرت بحوالي (231) مليون دولار في العام الماضي؛ بسبب تصدير الغاز الطبيعي إلى الكيان الصهيوني، كما بلغ الدَّين الخارجي لمصر في أواخر (2010) حوالي (34) مليار دولار -وذلك بحسب تقرير صادر عن البنك المركزي حينها-، أما الدَّين الداخلي فتجاوز (888) مليار جنيه! بالإضافة إلى أمواله وأموال أولاده ووزرائه المهرَّبة بعد الثورة، التي كشفت عنها بعض الدول الأوروبية كـ(سويسرا، وإنجلترا)، وأضِف إلى ذلك: آلاف الأفدنة التي حصل عليها رجال الأعمال والأقارب بأزهد الأثمان دون وجه حق، وخصخصة القطاع العام؛ الذي تسبب في ازدياد البطالة وإهدار مال الدولة.

    

أما عن الوضع الصحي؛ فقد أكدت منظمة الصحة العالمية أن مصر سجلت أعلى نسبة إصابة في العالم لبعض الأمراض؛ مثل: (البلهارسيا، والسكر، وفيروس سي، والفشل الكلوي)، وكل ذلك وراءه صفقات الأسمدة المسرطنة، وشحنات الطعام المسرطن التي كانت تدخل البلاد، بالإضافة إلى المرافق الصحية المتهالكة من (مستشفيات، ومراكز صحية) ومنظومة تأمين صحي لم تنتظم يومًا، ولم تَلْقَ الدعم الكافي على حساب ميزانيات القمع والاعتقال والصرف على وزارات تدعيم حكمه؛ مثل: (الداخلية، والدفاع) التي كانت ميزانيتها تعادل كل ميزانيات الوزارات الأخرى، للدرجة التي قالت فيها بعض الإحصاءات: إن عدد من توفوا بسبب المرض في عهد مبارك؛ أكبر ممن ماتوا في حرب أكتوبر!

    

أما عن الحريات؛ فحَدِّثْ ولا حرج عن الاعتقال والتعذيب في السجون، وتزويره انتخابات بشكل فج في (2010) وما قبلها، ومن استفتاءات شكلية وهَزْلية في مجلس الشعب قبلها، وتغيير مواد الدستور؛ لإتمام مشروع التوريث لابنه جمال! وأضِف إلى ذلك: الحزب الوطني وفساد أعضائه ونزول أفسد مَنْ في مصر على قوائمه في الانتخابات، وانتفاع الوصوليين بالانضمام إليه، في حين وجود أحزاب كرتونية؛ لزوم إتمام المسرحية! وأضِف إلى ذلك: ما كان من فيديوهات مُسَرَّبة ومقاطع تعذيب المسجونين في أقسام الشرطة؛ الأمر الذي انتهى بتعذيب خالد سعيد حتى الموت؛ الأمر الذي كان شرارة الثورة على مبارك، وأضِف إلى ذلك: عبارته الشهيرة "خليهم يتسلوا"؛ حينما قالها لمعارضيه حين اعترضوا على تزوير انتخابات برلمان (2010) وشكلوا برلمانًا موازيًا من نواب سابقين ومرشحين تم إسقاطهم خلال الانتخابات التي جرت في خريف العام نفسه، وخَتَمَ عصره البغيض بقتل مَن خرجوا للتعبير عن رأيهم في الشوارع إبَّان ثورة يناير (2011) -المجيدة-؛ التي طالبت بخلعه ورحيله والتي راح ضحيتها أكثر من (800) قتيل! 

    

حري بنا أن نوعي الأجيال التي خرجت في عهد السيسي أن عهد حسني مبارك لم يكن عهدًا مزدهرًا، ولا عهدًا رأت فيه مصر خيرًا قط، إلا لو قورِنَ بعهد مَن هو أسوأ منه

أما اجتماعيًّا؛ فلن ننسى نسيانه أهل (النوبة، والصعيد، وسيناء)، وإغراقهم في الفقر والإهمال، وآلاف الشباب الذين ماتوا في عرض البحر؛ بسبب الهجرة غير الشرعية؛ بسبب انتشار البطالة في البلد، وترك البلد تحوي من البشر (90) مليون بلا تخطيط أو خطة للانتشار السكاني المتوازن العادل؛ مما ترتب عليه انتشار العشوائيات مع أعراضها الاجتماعية من (جهل، وفقر، وفساد، وجريمة).

    

أما عن المرافق والمواصلات؛ فكانت أغلب المواصلات في عصره المشئوم تسير بالقصور الذاتي، بلا صيانة أو تحديث؛ ففي ملف نشرته مجلة "الأهرام الاقتصادي" في عددها الصادر في (17) أغسطس (2014) تحت عنوان: (شبح الإفلاس يطارد السكك الحديدية)؛ ومن بين ما تضمنه هذا الملف أن: (80%) من عربات القطارات انتهى عمرها الافتراضي، وأن (85%) من المزلقانات بدائية التشغيل، وأن منها (4500) مزلقان عشوائي، وأضِف إلى ذلك: سخريته (القذرة) ممن يموت بسبب إهماله وقوله: (عبّارة مِن اللي بتغرق!)؛ يقصد بها عبارة (السلام 98)؛ التي راح ضحيتها (1150) مواطنًا عائدين من السعودية، والتي لم تتحرك قواته لإنقاذ ضحاياها إلا بعد (18) ساعةً من إرسال إشارة الإنقاذ! وأضِف إلى ذلك كله: طوابير الخبز، وأنابيب الغاز، والنضال الذي يناضله المواطن في عهده؛ لكي يحصل على أبسط حقوق الحياة.

    

كل الذي ذكرناه هو جزء بسيط جدًّا جدًّا من فساد اللص المجرم المخلوع حسني مبارك؛ ذكرناه للتوعية ضد جرائمه؛ لكي لا يخرج علينا جيل يمجد ويعظم هذا الرجل الذي أسس عصر الفساد الجديد لمصر، أو لا يقارن فساده السيئ بالفساد الأسوأ لمن خلفه من العسكريين؛ فيتوق الناس إلى عهده (عهد الفساد الوسطي!) دون تذكر أن هو السبب فيما نعيشه اليوم، وأن هذا الأسوأ لم يكن ليأتيَ لولا أن ترعرع في عهد السيئ!

    

فحري بنا أن نوعي الأجيال التي خرجت في عهد السيسي المشؤوم، ووجدت أزمة دولار لم تحدث في تاريخ مصر على الإطلاق، وأزمة سكر في بلد تصنيع السكر! وبيع أراضٍ وفرض رسوم على كل مرافق الدولة، حتى المسافر منها في المطار؛ فحري بنا أن نوعيهم أن عهد حسني مبارك لم يكن عهدًا مزدهرًا، ولا عهدًا رأت فيه مصر خيرًا قط، إلا لو قورِنَ بعهد مَن هو أسوأ منه؛ حتى لا نكرر قصة تجميل الملكية وتمني رجوعها دون معرفة خفايا فسادها.