شعار قسم مدونات

العلم كـ "دوغما"

blogs-العلم

بسبب قصور التّرجمة فإنّ كلمة "علم" في اللّغة العربيّة لها عدّة معانٍ قد لا تتطابق جميعها مع المفردات التي تعني "علم" في اللّغة الإنجليزيّة. فمن المفردات التي قد تسبّب الخلط مثلًا كلمة "Science" و"Knowledge" و"Study of". ولإبعاد الالتباس فإنّ هذا المقال يتناول مفردة "العلم" بمعنى الـ Science فقط.
 

وبالنّسبة للتّعاريف الواردة لهذا المصطلح فمنها تعريف موسوعة بريتانيكا التي تعرّف العلم بـكونه "أيّ نظامٍ معرفيٍّ يهتمّ بالعالم الفيزيائيّ وظواهره ويستلزم مشاهداتٍ وتجارب ممنهجةٍ، كما يتضمّن تغطية الحقائق العامّة وتطبيق القوانين الطّبيعيّة الأساسيّة". وفي قاموس ميريام ويبستر "العلم هو النّظام المعرفيّ الذي يغطّي الحقائق العامّة أو تطبيقات القوانين العامّة، خصوصًا تلك التي اكتُسِبت واختُبِرت من خلال طريقةٍ علميّةٍ، وهو المعرفة التي تهتمّ بالعالم الفيزيائيّ (الماديّ) وظواهره".
 

يرى بوبر أنّنا نستطيع أن نصل للحقيقة، لكنّنا لا نستطيع أن نصل إلى اليقين، لذلك فكلّ المعرفة البشريّة قابلةٌ للدّحض وغير يقينيّةٍ

ورغم تعدّد التّعاريف وتنوّعها إلا أنّ الطابع العامّ لفهم مفردة العلم يركّز على عدّة نقاطٍ كالقابليّة للقياس والتّجريب، كما تؤكّد أغلب التّعريفات أنّ طبيعة هذا النّوع من العلوم لا تهتمّ بأيّ معرفةٍ خارج العالم الفيزيائيّ أو ما وراء الطّبيعة.
 

لقد مرّ العلم بمراحل مختلفةٍ، حين بدأت ثورة العلم لم تكن العلاقة به ناضجةً. الكثير من الحوادث دلّت على تخبّط منهجه وعلى طفولة العقل العلميّ في ذلك العصر. خذ مثلًا ما حصل في كارثة حرق وقتل السّاحرات "witches" التي حدثت في نهايات القرن الخامس عشر وحتّى القرن الثّامن عشر. ظُنّ حينها أنّ إجراء بعض التّجارب "العلمية" كفيلٌ بكشف السّاحرات.
 

إحدى هذه التّجارب "العلميّة" كان يكتفى فيها بالنّظر إلى شكل المرأة، فإن كانت صفاتها تشبه ما ارتبط حينها بالسّحر كتجاعيد الوجه والجبين أو الأسنان السّاقطة أو حَوَلًا في العيون، فسرعان ما تُتَّهَم به وتعاقب عليه. من الطّرق الشّهيرة أيضا رمي المتَّهَمات في الماء، فإن طفت المرأة على سطح الماء فإنّها ساحرة، وإن غطست إلى الأسفل فليست كذلك، وربّما حاولوا إنقاذها بعد ذلك إن لم تكن قد ماتت بالفعل! لقد أدّى هذا التّهور الطّفوليّ في محاربة كلّ خرافةٍ باسم العلم إلى مقتل أكثر من مئتي ألفٍ من البريئات في أوروبّا.
 

تطوّر العلم بعد ذلك وشهد نضوجًا غيرَ مسبوقٍ. وسار في مراحل مختلفةٍ حدثت فيها تغييراتٌ جوهريّةٌ، كما تطوّرت العلاقة به. تبنّت الأوساط العلميّة فكرةَ العصمة، فقد اعتبرت أن المنهجيّة العلميّة وخلاصة التجارب وإجماع المشاهدات وزبدة الخبرات منهجٌ صارمٌ لا يقبل الخطأ أو الزّلل. ولعلّ هذه الثّقة تزامنت مع انتقال العلم إلينا حين اتصل الشرق مع الغرب، ومن هنا تبلورت تلك النّظرة التي ترى -كما عبّر عنها أوغست كونت- أنّ المنهج العلمي يستطيع الوصول إلى الحقيقة كاملةً.
 

وحين تعرّضت فيزياء نيوتن وحتميّات لابلاس لهزّاتٍ قويّةٍ شهد القرن العشرين واحدةً من أهمّ نظريّات فلسفة العلم في العصر الحديث، تكلّم فيها كارل بوبر عن القابليّة للدّحض كردٍّ على نظريّة التّحقّقّ التي تدّعي أنّ إيجاد أمثلةٍ استقرائيّةٍ أكثر لدعم النّظريّة تزيد التّحقّقّ بشأنها. يرى بوبر أنّ النّظريّة حتّى تكون علميّةً فإنها يجب أن تكون قابلةً للدّحض، أي يجب أن يكون هناك مجموعةُ عوامل لو حدثت فإنّ النّظريّة تكون باطلةً حينها، وأنّ أيّ نظريّة ليس لها قابليّةٌ للدّحض فإنها لا تعدّ نظريةً علميّةً.
 

إنّ الذين يهاجمون/يدافعون عن العلم كأنّما يهاجمون/يدافعون عن عقيدةٍ ثابتةٍ فقدوا روح العلم وابتعدوا عن المنهج العلميّ الذي يعي حدود الحاضر

يرى بوبر أنّنا نستطيع أن نصل للحقيقة، لكنّنا لا نستطيع أن نصل إلى اليقين، لذلك فكلّ المعرفة البشريّة قابلةٌ للدّحض وغير يقينيّةٍ. ومع ذلك لا يعني دحض النّظريّة العلميّة إثبات نقيضها دائمًا، بل ربّما يعني في كثيرٍ من الأحوال نظريّةً جديدةً تقوم على أكتاف النّظريّة القديمة وتُطوّرها إلى مراتب أكثر دقّةً وتعقيدًا. ولو أخذنا نظريّة الجاذبيّة كمثالٍ على القابليّة للدّحض، فإنّ النّظريّة علميّةٌ بالمقاييس التي حدّدها بوبر، لأنّنا قد نصل يومًا ما إلى لحظة انعدام الجاذبيّة فيُدحض التّفسير القديم، حينها تكون نظريّة الجاذبيّة قد دُحضَت. وما دامت هذه النّظريّة قابلةً للدّحض بسبب قابليّة إثبات خطئها فإنّ النّظريّة لا تزال قائمةً.
 

هكذا نضجت العلاقة بنظريّات العلم الحديث، تواضع المنهج واعتدل، تحرّر العلم من اليقين الدّوغمائيّ الذي يسيء له ويسلّطه على كلّ معترض. انتهى عصر التّطرّف في تقديس العلم. كما انتهى عصر التّطرّف في تبخيسه. وبدأ عصرٌ جديدٌ، عصرٌ يعطي النّظريّة العلميّة حقّها من البحث والدّراسة والاختبار، كما يفتح المجال أمام كلّ دارسٍ ليشكّ ما شاء طالما التزم المنهج العلميّ في ذلك.
 

لكنّ البعض يأبى إلّا أن يجعل من العلم سيفًا جديدًا يسلّطه بدلًا من السّيف الذي سُلّط على "جاليليو" و"كوبر نيكوس" وغيرهم! خذ مثلًا ردود الفعل المتناقضة على نظريّة التطوّر، النّظرية الأكثر جدلًا في العصر الحديث! فبينما تقرّر الأوساط الأكاديميّة قبولها -حتّى يتمّ دحضها علميًّا- يستميت البعض هجومًا أو دفاعًا كأنّما هي المعركة الأخيرة الفاصلة والتّفسير العلميّ الوحيد. إنّ الذين يهاجمون/يدافعون عن العلم كأنّما يهاجمون/يدافعون عن عقيدةٍ ثابتةٍ فقدوا روح العلم وابتعدوا عن المنهج العلميّ الذي يعي حدود الحاضر في ذات اللّحظة التي يؤمن فيها بممكنات المستقبل.