الشباب يكتبون الرواية

blogs - write

يشهد العالم العربي منذ سنوات قليلة ماضية ثورة في الكتابة لا تعكس أبدا مستوى المقروئية لدى شعوبه، وأعني بالخصوص الكتابة الروائية، ويقود هذه المرحلة مجموعة من الكتاب الشباب تتنوع مشاربهم الفكرية. هذا الأمر خلق لنا نماذج متعددة من الروايات التي أصبحت من خلالها مهمة النقاد جد معقدة.

إن طغيان الأسلوب الروائي في الكتابة هذه الأيام يعود بالأساس إلى صراعات الحياة ومنغصاتها، إلى آمالها و طموحاتها، وجراحها أيضا، فاعتبرت الرواية الفسحة المناسبة للشباب للتعبير عن مكبوتاتهم، وإن كان الشعر والقصة القصيرة بالإضافة إلى فنون أخرى تؤدي نفس الدور لكن بنسب متفاوتة.

إن غزارة الإنتاج في ميدان الرواية لا تعني أبدا جودة الأسلوب وقوة الطرح، فأغلب ممن يعتبرون أنفسهم كتَاب للرواية لا يمتلكون ناصية هذا الفن الأدبي، مما خلق لنا نوعا من الرداءة في المنتوج.

الوقت الذي تستغرقه  كتابة الرواية شبيه بالوقت الذي تقضيه الأم في حملها… ومتى ذهبت للمطبعة قبل وقتها، فكأنما ولدت في غير أوانها.

من أهم المغالطات التي يقع فيها هؤلاء الشباب الخلط بين الكتابة الروائية، وفن السيرة الذاتية، فكثير منهم يعتقد أنه يكتب رواية وفي الأصل لا يتعدى دوره عن التوثيق لحياته الشخصية أو مرحلة من مراحل حياة شخصية ما، ويعود السبب في ذلك إلى عدم تقيدهم بأهم تقنيات الرواية كالصدق الفني وتعدد الأصوات، وإبداء آرائهم في الأحداث، ودعمهم للقيم التي يروجون لها من خلال أصواتهم وليس عن طريق أصوات شخصيات الرواية، وهذه الأخطاء تعتبر من بديهيات عيوب الرواية.

يمتلك الكتَاب الشباب روحا حماسية و نشاطا مضاعفا مقارنة بأجيال لاحقة، وهذا الأمر بالنسبة لكاتب فن الرواية قد يكون قاتلا إذا لم يستغله بشكل مناسب، ويظهر ذلك في اهتمامهم بالكمية لا النوعية، أو الكتابة لغرض الفوز بالجوائز الأدبية التي أصبحت قيمتها المادية مغرية بشكل رهيب، فما أن يكتب الروائي الشاب روايته الأولى -التي تأتي غالبا بعد تردد شديد وصراع ذاتي مرير- حتى يجد بعد ذلك الإطراء والمديح الذي لم يتعود عليه فيندفع مجددا لكتابة الرواية الثانية والثالثة والرابعة بصورة متلاحقة لا تتيح لمتابعيه أو ناقديه حتى فرصة التمحيص.

ويتحول هم الكاتب من السعي لخلق بناء روائي يعالج قضايا إلى انتاج أعمال روائية مناسبتية، أو للرد على آراء النقاد، و أجد مثالا على ذلك في الكاتبة السعودية الشابة أثير النشمي التي صدر لها خمس روايات كاملة في ظرف لم يتعدى ثلاثة سنوات.

وإن كان أسلوب أثير مشوقا جزلا، إلا أنها وقعت في مطبات بديهية، وأصبحت أعمالها تقيم بشكل متناقص منذ روايتها الأولى.

إن الوقت الذي يستغرقه الكاتب في كتابة روايته شبيه إلى حد كبير بالوقت الذي تقضيه الأم في حملها، فكما يتوجب عليها رعاية وليدها، والإعداد لظروف وضعه، كذلك الرواية تحتاج وقتا كافيا لميلادها، ومتى ذهبت للمطبعة قبل وقتها، فكأنما ولدت في غير أوانها.

إن غزارة الإنتاج في الميدان الروائي وإن كان قد خلق نوعا من الضعف في الأسلوب إلا أنه يعتبر ظاهرة صحية مادامت تمثل شكلا من أشكال التحرر.