شعار قسم مدونات

ماذا يعني أن ينفذ شرطيٌ فلسطيني عملية فدائية؟

blogs - palestine
منذ أن دخل الجنرال الأمريكي "كيث دايتون" إلى الضفة الغربية المحتلة تحت عنوان إعادة تأهيل وتدريب ضباط وجنود السلطة الفلسطينية، لمسنا تحولات كبيرة في مسار عمل الأجهزة الأمنية في الضفة المحتلة وتصرفات أفرادها، حيث غاب عن المشهد أمثال أبو جندل ذلك الضابط في قوات الأمن الوطني الفلسطيني الذي كان من أبرز المدافعين عن مخيم جنين، واستشهد محافظًا على شرف البندقية الفلسطينية بعد أن نفذت ذخيرته وكان قد أقسم مع رفاقه على القتال حتى الشهادة.

أبو جندل لم يكن نموذجًا يتيمًا داخل المؤسسات الأمنية الفلسطينية التابعة للسلطة الفلسطينية قبيل دخول دايتون للضفة المحتلة بمشروع أمريكي كان هدفه الأول مسخ الهوية الفلسطينية لدى أفراد الأمن، حتى يتحولوا لخدمة مشروع يجعل الركون والقبول بالاحتلال وسيطرته وبطشه وظلمه أمرًا اعتياديًا وطبيعيًا ينبغي التعايش معه والتسليم به وله، ومن يخرج عن ذلك يعتبر خارجًا عن القانون والصف الوطني ويهدم مؤسسات "الدولة" التي لم يتبق منها إلا بقية في ظل توسع الاحتلال اليومي.

اعتمد هذا المخطط على الفوضى السياسية التي نشبت بعد أحداث الانقسام الفلسطيني عام ٢٠٠٧م وعلى أرضية مشروع أوسلو، ليمضي بخطوات سريعة دون معارضة من التيارات السياسية الفلسطينية؛ ذلك أن الاستئثار والأنانية وأصوات البنادق كانت أعلى من أي أصوات أخرى، فكل معارض بالضفة لسياسات السلطة كان يحسب على التنظيم الآخر وليس على الوطن لذلك كانت حريته مصادرة وقد يصل الأمر إلى حياته.

يصنع محمد تركمان من جديد هيبة للبندقية الفلسطينية الرسمية، ويجعل الاحتلال يتخوف من عشرات آلاف البنادق التي بيد أجهزة الأمن الفلسطينية في الضفة المحتلة.

وقد وجد الأمريكان أن هذا هو الوقت المثالي لإعادة صياغة العقيدة الأمنية لدى ضباط وجنود السلطة مستغلين حالة الاستقطاب الشديدة في البيت الفلسطيني، مع حزمة مساعدات كبيرة وهي السياسة الأمريكية والغربية المتبعة في جل الدول العربية، والتي تريد تحويل العقيدة العسكرية لدى الجنود العرب إلى الداخل لا الخارج لمحاربة ما يسمى الإرهاب أو حركات المعارضة.

فأصبح من الطبيعي أن نرى علاقات التطبيع مع أعداء الأمة وجلسات المفاوضات معهم بينما الأسلحة والبنادق مشرعة نحود الداخل، وهو ما زاد الانقسام انقسامًا وعمَّقه، ليتحول مع الزمن من خلاف على السلطة والنفوذ إلى خلاف فكري بين من يرفض المقاومة ومن يريدها، وكان هذا جوهر مخطط "دايتون" وهو ما يعقد الكثير من تفاصيل المشهد اليوم، فقد أصبحت المقاومة لدى شريحة منهم هي التهديد لا الاحتلال، وأصبح أيضًا من الطرف الآخر من يشعر بأن هؤلاء هم العائق أمام التحرير أكثر من الاحتلال، وكلا الفكرتين مقبولتين لو بحثنا عن تبرير لهما ولكن كلاهما مرفوض لو بحثنا عن الوطن.

والحل هنا برنامج سياسي وطني واحد يعلي من قيمة الثوابت الفلسطينية ولا يحتكر طريقة واحدة لمقاومة الاحتلال ولا يحجر على أخرى، يكون فيه التنافس في كافة الميادين من أجل خدمة القضية إن نظرنا لها كقيمة أخلاقية دينية ووطنية لا كما النظرة السائدة لدى الكثيرين من السادة المتسيدين والذين ينظرون إليها كقيمة مادية يأكلون ويشربون ويبيعون ويشترون فيها وعلى حسابها وحساب آلام الناس، فالقضية هنا متداخلة ما بين مشكلة ثقة في "القيادة" ومشكلة برنامج وطني جامع.

ومن هذا الباب ينبغي الخروج عن القواعد المألوفة وقوالب الخطاب المعيوفة إلى خطاب قريب من الناس وقضاياهم وآمالهم ويعيد حب الوطن إليهم الذي سرقته الهموم والآلام وسنوات الانقسام، نعم نحن نبحث بكل ما أوتينا من قوة وضعف على ما يجمعنا، ولا أعرف شيئًا يفعل ذلك مثل زغاريد بنادق الثوار ولمعات خناجر الفدائيين ودماء نزفت على الأرض لترسم لنا حروف فلسطين.

ومن هنا خرجت "انتفاضة القدس" لتدثر شيئًا من حبنا وشغفنا نحو الوطن بأبطال عملياتها الفردية الذين تفردوا من بيننا بالكثير من صفات الجمال والجلال.

ومن هؤلاء كان الشرطي الفلسطيني محمد تركمان الذي نفذ عمليته الفدائية قبل أيام ليمزق برصاص بندقيته "الرسمية" أجساد ثلاثة جنود صهاينة إصابة أحدهم حرجة، ويعيد بدمه الاعتبار لبندقية فلسطينية أراد "دايتون" حرفها عن بوصلتها الحقيقية، وعلى مستوى آخر يصنع محمد من جديد هيبة للبندقية الفلسطينية الرسمية، ويجعل الاحتلال يتخوف من عشرات آلاف البنادق التي بيد أجهزة الأمن الفلسطينية في الضفة المحتلة، وهذا بحد ذاته تحول استراتيجي سيكون كابوسًا مرعبًا للاحتلال في حال تكرر.