شعار قسم مدونات

قبيلة "أنف الناقة"

blogs - Media - TV

بسبب اتساع وسائل الإعلام وتنوعها واختلاف توجهاتها وطرقها؛ أصبح من الصعب وضع تعريف محدد لها، لكن يمكن القول بأنها وسيلة نقل الأخبار والمعلومات بين المُرسل "الإعلام" والمُستقبل "الجمهور" أي أن الهدف الرئيسي في الإعلام هو التأثير في المُستقبل وهو "الجمهور"

ولا يخفى على أحد أهمية الإعلام منذ قديم الزمان على اختلاف الطرق والوسائل؛ فمثلاً كان الشعر هو وسيلة الإعلام الأعظم تأثيراً أيام الجاهلية عند العرب، وكانت تقام له الأسواق كسوق عكاظ الشهير وكان من قوة تأثير الشعر كوسيلة إعلامية أنه يرفع أقواماً ويضع آخرين!

تستطيع وسائل الإعلام من قوتها أن تصبغ عقول الناس بصبغة واحدة رغم اختلاف العقائد والثقافات والأجناس وصرف توجهات الناس حسب ما تراه.

ومما يذكر في ذلك أن قبيلة كانت تلقب بـ أنف الناقة فكان أبناء القبيلة يشعرون بالحرج والعار من ذكر هذا الاسم بين العرب؛ فطلبوا من الشاعر الشهير الحُطيئة الملقب بـ تأبط شراً أن يمدحهم بشعرٍ بين العرب فمدحهم بقصيدة طويلة نذكر منها:
قومٌ همُ الأنفُ والأذناب غيرهمُ ومنْ يسوِّي بأنف الناقة الذّنبا
قَوْمٌ إذا عَقَدوا عَقْداً لِجَارِهِمُ شَدُّوا العِناجَ وشَدُّوا فوقه الكَرَبا

فأصبح بنو أنف الناقة يتفاخرون بقبيلتهم بين العرب ويعتزون باسمها، وفي هذا دلالة واضحة على تأثير الإعلام باختلاف وسائله في نفسيات الناس والرأي العام.

وسائل الإعلام في هذا الزمان مختلفةٌ كثيراً، فلم تعد تقتصر على شعرٍ يقال في سوق أو خطبةٍ تلقى على مسامع الناس أو صحيفة ذات توجه مُحدد؛ بل أصبحت متنوعةً بشكل كبير كما أصبح تأثيرها أكبر وأخطر قنوات تلفزيونية أفلام سينمائية تطبيقات الجوال وسائل التواصل الاجتماعية مواقع الإنترنت مجلات صحف، مما يجعلها تسرق الأنظار وتغير الأفكار وتتسلل إلى داخل البيوت المُغلقة وتقتحم جدران العقيدة وتتغلغل في أسوار الثقافة، وكلما كانت تلك الوسائل مُبهرة ومتنوعة وتحاكي كل الفئات والمجتمعات كان تأثيرها أكبر وأعظم.

تستطيع وسائل الإعلام من قوتها أن تصبغ عقول الناس بصبغة واحدة رغم اختلاف العقائد والثقافات والأجناس وصرف توجهات الناس حسب ما تراه أو بما يخدم قضاياها أو سياستها، وهي نوعٌ من أنواع القوة الناعمة "الخارقة) التي تُسيطر على الشعوب وتُركعها والتي كتب عنها جوزيف ناي الذي كان مساعداً لوزير الدفاع في حكومة بيل كلينتون ورئيس مجلس المخابرات الوطني الأمريكي في كتابه المطبوع عام 2004م "القوة الناعمة) والتي تُغير الأفكار بناءً على مقولة: بطيء.. بطيء.. لكنه أكيد المفعول بعيداً عن السياسات التي تتبع نهج الحروب لبسط السيطرة والنفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي والأهم الثقافي.

وهذا أخطر ما في وسائل الإعلام؛ إذ أنها تُغير شكل الأفكار وبُنية العقيدة دون شعور وببطء تماماً كما تفعل قطرات الماء الناعمة حينما تنحت الصخور الصماء الضخمة، وتغير شكلها على مر الزمان وتنوعها الكثير يُمكنها من الوصول إلى كل بيت على وجه الكرة الأرضية، مما يُسهل عملية بث الأفكار الدخيلة والعقائد المهزوزة والإباحية النتنة وترسخ معتقدات آثمة في نفوس البشر.

ألا يكفي الإعلام قوةً في التغيير النفسي والتبديل الفكري على البشر أنه ألصق تهمة الإرهاب بالإسلام وجعله "علامة مسجلة" باسم الإسلام فقط لا يوصف بها سوى المُسلم ولو كان مريضاً نفسياً أو مختلاً عقلياً، وعن تعاليم الإسلام بعيداً؛ مما جعل كثير من أهل الشرق والغرب يتوجس من مجرد رؤية أي مُسلم!

وفي المقابل نجد كثير من الأحداث الشنيعة لا يوصف مقترفوها بتهمة الإرهاب، وعلى سبيل المثال دخل ياباني "إرهابي" إلى مركزٍ لرعاية ذوي الاحتياجات الخاصة في طوكيو فقتل 19 شخصاً وأصاب 45 آخرين طعناً بالسكين؛ لكننا لم نرى وسائل الإعلام تنتفض وتصفه بالإرهابي فهو ليس مُسلماً!

ولم تصف وسائل الإعلام الأمريكية "المُسيسة" الإرهابي الأمريكي قاتل يُسر ورزان وضياء بأنه إرهابي مُجرم وكذا قاتل إمام مسجد نيويورك ومُرافقه فببساطة هم ليسوا مسلمين!

ومما لن تراه في الإعلام هو أن 8هجمات إرهابية فقط من أصل738 هجمة حدثت في أوروبا ما بين أعوام 2011-2014 م هي ذات دافع ديني والفرق بين الرقمين كالفرق بين السماء والأرض، لكن الفيصل في مثل هذه المسائل هو صياح الإعلام وتسليط أضوائه على ما يخدم سياساته.

وتعمل وسائل الإعلام على تصدير سفاسف المُجتمع وتصويرهم بصورة القدوة الفذة للمجتمع، وتشويه القدوات الحقيقية؛ مما يؤدي بالأطفال والمراهقين إلى تقليد الحركات والقصات والسلوكيات التي يقوم بها ذاك الفذ إذ هو في نظرهم القدوة العظيمة!

والناظر في حال القدوات في عالمنا الإسلامي يجد أننا نعاني بحق من أزمة قدوات بسبب ضعف هذه القدوات أو قلة تأثيرها، واكتفاء أغلبهم بالجانب الدعوي دون غيره من الجوانب والسبب الأهم هو كما ذكرت تهميش القدوات البشع الذي تمارسه وسائل الإعلام، واحتلال قدوات من أمثال سوبر مان وكابتن أمريكا وشلة "أبطال مارفيل" والشيخ بات مان إلى أميرات ديزني الفاضِلات مروراً بنجوم السينما من الأمريكان والهنود وغيرهم من بني الإنسان انتهاءً بأشباه العلماء وأنصاف المثقفين وأرباع المُتعلمين الشاشات وأغلفة المجلات وفقرات الإعلانات !

ماذا نتوقع من مجتمعاتنا حينما يُغرق إعلامها القديم المتلفز والجديد على مواقع التواصل ببرامجٍ تدعو للسفور وأخرى تسوق للفجور ومسلسلات وأفلام تبث الأفكار الهدامة التي تحشو العقول بالقمامة، وتقيد الروح بأغلال الانحراف وتقودها إلى قبور الضلال وتسير بالأخلاق نحو هاوية الخلاعة بل إلى البلاعة!

معركتنا أصبحت معركة وعي وعلينا أن نوعي أطفالنا وشبابنا ونربيهم على أُسس عقدية صُلبة متينة ونضخ في عقولهم سيل من الأفكار السليمة القوية.

ناهيكم عن حجم البرامج التي لا هم لها سوى تسفيه العقول وصرفها نحو التفاهات والانحرافات! بالإضافة إلى أن اللقطات المُثيرة وذات الإيحاءات الجنسية أصبحت أكثر من أن تُحصى؛ بل أصبحت هي ديدن أغلب الأفلام والمسلسلات الأجنبية والعربية والتي تُعرض للكبار والصغار أيضاً، وإليكم هذا المثال الصارخ لأحد المسلسلات العربية الذي عُرض فيه 66 مشهد لتعاطي المخدرات و98 مشهد لشرب الخمور و103مشهد رقص و299 مشهد بملابس مثيرة هل مثل هذه الأفلام والمُسلسلات ستقوم بنشر الفكر العقلي السليم في عقول المشاهدين وسترفع المستوى الأخلاقي لهم!

بالتأكيد ستعمل على مسخ الفكر الفطري السوي الذي يُحارب الرذيلة وتمحو الأخلاق وتغيرها نحو كل ما له علاقة بالفساد والإفساد، بالإضافة إلى التغيير السلوكي المُرعب الذي يحدث على مستوى الشعوب.

الحديث حول مساوئ الإعلام طويل بل طويل جداً ومُتفرع ويحتاج إلى بحث ودراسات جادة للوقوف ضد فساده واستغلال قوته الكبيرة في الجوانب الإيجابية، كتعزيز القيم وتثبيت العقيدة ونشر العادات الحسنة وتنمية بذور الأخلاق النقية والتصرفات الراقية.

وبما أن وسائل الإعلام العربية الفذة تقلد أختها الغربية حذو القُذة بالقُذة ولا يعول عليها إطلاقاً في صد رياح التغريب والإباحية العاتية التي تضرب مجتمعاتنا بقوة من جميع النواحي، وبما أنه يمكن لأصغر طفل أن يصل إلى أي موقع أو مقطع أو مشهد يريده بجهاز أصغر من كف اليد؛ فلا نملك سوى سلاح الوعي لمجابهتها نعم فمعركتنا معهم أصبحت معركة وعي، وعلينا أن نوعي أطفالنا وشبابنا ونربيهم على أُسس عقدية صُلبة متينة ونضخ في عقولهم سيل من الأفكار السليمة القوية التي لا تهتز وتقف كالجبال أمام تلك الرياح العاتية.

وأختم بالمقولة الشهيرة "من يُسيطر على الإعلام يُسيطر على العالم"