عن السيسي الذي لن يركع لأحد

عندما كان الرئيس المصري محمد مرسي، يقول في خطاباته قبل أربعة أعوام، بأن مصر لن تركع لغير الله، فقد كان كلامه يومها، مُتَّسقاً ومتناغماً مع السياق الظرفي للزمان والمكان وواقع الحال، حيث كانت مصر تحت وطأة التهديد الفعلي والمباشر، من كل قُوى الإمبريالية العالمية، وبمقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، بالإضافة للكيان الصهيوني المجاور لها، كونها كانت تمر بمرحلة تحول تاريخي كبير، لو أنه كُتب له النجاح، لأحدث تغييراً شاملاً في أنظمة الحكم بعُمُوم المشرق العربي، ولأصبح موضع إبهار وإلهام لكل الباحثين عن الحرية والكرامة في العالم، للخروج من دائرة الاستعباد التي تمارسها الأنظمة الفاشية والشمولية، وهو مالم يَرُق لدوائر صناعة القرار في تلك القوى الإمبريالية.

لكن تكرار تلك العبارة في اللحظة الراهنة، على لسان رئيس الانقلاب في مصر عبد الفتاح السيسي، وفي وسائل الإعلام المصرية التابعة لنظامه الانقلابي عُموماً، تبعث على السخرية والعَجَب، كونها جاءت هذه المرَّة في سياق الجُحود ونُكران الجميل، لإخوة أشقاء كانوا قد مدُّوا أيديهم لمصر السيسي، "في خطأ استراتيجي قاتل"، فقابلتها تلك الشرذمة من الناس -الذين لا يُمثلون مصر ولا المصريين في حقيقة الأمر- بالإساءة والتطاول، ولا عَجَب في ذلك مُطلقاً، فهذا هو منطق السُّفهاء وسَفلة القوم على مر التاريخ، إذ لا يحفظُ الفضلَ لأهلِ الفضلِ غير ذَوِيهِ.

لوكان السيسي لا يعرف حقاً الركوع لأحد غير الله كما يدعي، لما عَمَدَ إلى قتل وتهجير وتدمير منازل ومزارع آلاف المصريين داخل سيناء.

مصر الجغرافيا والتاريخ المجيد، وكذا الشعب العظيم، لم ولن تركع بكل تأكيد، لن تركع لزعيم العصابة الانقلابية أولاً، كما لن تركع لكل أولئك الذين اغتصبوا مصر، وأهانوا كرامتها، الذين لم يمارسوا طقوس الركوع وحسب، بل أدَّوا كل تراتيل الخُضوع ومراسيم السُّجود، تحت أقدام نتنياهو وبُوتن، وبقية أشقائهم وأبناء عُمومتهم من الصهاينة والصفويين، وكل الأعداء التقليديين لمصر، والأمة العربية جمعاء، في مشهد ساقط ومشين، لم يعرف له تاريخ مصر الطويل -قديمه وحديثه- أي مثيل.

الابتزاز الذي مارسه عبد الفتاح السيسي ونظامه الانقلابي، على السعودية وباقي دول الخليج، طوال الثلاثة أعوام الماضية، والذي وصل حد الاصطفاف في المعسكر المعادي لتلك الأيادي التي امتدت إليه، ودعمته بمليارات الدولارات، بل والتصويت ضدها في مجلس الأمن، يُنبئك عن مدى الانحطاط السلوكي والأخلاقي، الذي تتمتع به تلك الشخصية الكرتونية، التي هبطت على المصريين فجأة، من عالم الديناصورات المتوحشة، فهي لا ترعَوي عن فعل أي شيء، يُحقق مآربها في الحصول على المال، والبقاء على كرسي السلطة أطول فترة ممكنة.

لوكان السيسي لا يعرف الركوع لغير الله حقاً، لما كان الفُجُور في الخُصُومة دَيْدَنه، ولما كان الخداع والمكر طبيعته، فقد بالغ في فجوره بالخصومة مع الإسلاميين، -وبخاصة منهم الإخوان المسلمين-، حداً جعله يُلقي برئيس اختاره غالبية الشعب المصري، في غياهب السجون، ويُلفق له تُهماً باطلة، كتهمة قتل المتظاهرين أمام قصر الاتحادية، كما ومُسِفَّة ومُهينة للمصريين، كتهمة التخابر مع حماس، فقط لأنه ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين، وهو الرئيس الذي انتخبه ملايين المصريين رئيساً لهم، في انتخابات حرة ونزيهة شهد لها العالم بأسره.

لو كان السيسي يعرف الركوع لله -ناهيك عن الركوع لغير الله- لما قال عنه الناطق العسكري الأسبق للجيش الإسرائيلي، آفي بنياهو في صحيفة معاريف، قبل نحو أربعة أشهر، "إن السيسي يعمل بالتنسيق معنا لخدمة المصالح الإسرائيلية، التي تتقاطع مع المصلحة المصرية، ويواصل بنجاح وقف عمليات تهريب الأسلحة وعرقلة حفر الأنفاق في غزَّة"، ولما قال عنه السفير الإسرائيلي الأسبق في القاهرة، تسيفي مزال، خلال حوار إذاعي مع راديو "103 إف أم "إن السيسي وبنيامين نتنياهو يحتفظان بعلاقة حميمة، ويُجريان مكالمة هاتفية كل أسبوع، ولا نرى السيسي يهاجم إسرائيل أو يُدينها ولو لمرة واحدة".

باختصار.. لوكان السيسي لا يعرف حقاً الركوع لأحد غير الله كما يدعي، لما عَمَدَ إلى قتل وتهجير وتدمير منازل ومزارع آلاف المصريين داخل سيناء، استجابة للضرورات الأمنية الإسرائيلية، ولما عَمَدَ كذلك إلى تدمير كامل الأنفاق، التي تربط غزَّة بالعالم الخارجي، ثم والأهم من هذا وذاك، لما أشاد ببطولاته تلك، الإعلام الصهيوني بمختلف توجهاته وأطيافه، تلك البطولات التي قالت الصحف الإسرائيلية أنه يبذلها، في سبيل تمتين علاقات مصر، مع دوائر صُنع القرار في تل أبيب.



حول هذه القصة

انطلقت بالعاصمة القطرية الدوحة فعاليات المهرجان الصيني الذي يعكس التنوع الثقافي في البلاد من خلال أفلام وعروض موسيقية وأنشطة أخرى وذلك ضمن أبرز فقرات العام الثقافي “قطرـ الصين 2016”.

3/11/2016
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة