شعار قسم مدونات

المعركة الحاسمة مع النفس

blogs - man

نخوض في هذه الدنيا حروب ومعارك مختلفة، منها ما يكون على مستوى الدول التي نعيش فيها وهذه للأسف لا نملك أي خيار أو قرار فيها ونخوض حروبا ومشادات اخرى أصغر على مستوى الأفراد والمحيطين بنا.

يحكم شدة هذه الخلافات مهاراتنا الحياتية وذكاؤنا الاجتماعي ونضجنا النفسي، وبها نرسو على بر الأمان في معظم الأوقات، فقد نختار الابتعاد والاختصار من أجل حفظ الود وحفظ ماء الوجه لمن يهمنا وجوده في حياتنا وهذا أفضل وأقوم لمن يستطيع تحقيقه دون إحساس بالغبن أو الضغينة.

إلا أن هذه المعارك على انتشارها وقلة حيلتنا أمامها أحيانا، تبقى في إطار مناوشات يستطيع الفرد التعايش معها وإن كانت نتائجها في أغلب الأحيان مزعجة ووخيمة لمن يخوض فيها بكل جوارحه حيث يجعلها بلا مبرر منطقي همه الأكبر وحربه الضروس التي يعمل جاهدا لكسبها والفوز فيها.
 

من يتعود أن يتخفف من حمله الأخلاقي والقيمي والديني لأي سبب كان، لن يرى أبدا شيء يستحق التوقف من أجله حتى لو كانت ذاته نفسها.

لكن المعركة التي أعتبرها اليوم أم المعارك وأهمها، والتي يجب أن تأخذ منا كل اهتمام وطاقة وجهد، إذ أنها معركة مستمرة معنا وفينا لحين انتهاء الأجل، وأصعب ما فيها أننا لا نستطيع الانتصار لطرف دون الآخر في كسبها إلا من خلال مجاهدة وتصميم ومثابرة ووعي بما نتوق للوصول إليه ألا وهي معركة النفس وجهادها.

معركتنا اليوم نحن فيها الطرف الأقوى والطرف الأضعف في نفس الوقت، وفي ذلك تحدي هائل ووطأة على الذات قد لا يحتملها أعتى الخلق وأشدهم بأسا، ففي هذه المعركة يتجاذبك اتجاهان قد يكون لهما حسب قناعاتك ونظرتك للحياة نفس القوة والسطوة والنفوذ.

أحد هذان الاتجاهان يختبئ ويتوارى خلف واجهات زجاجية لامعة وبراقة تحاول اختطافك ببريقها وسهولة الوصول إليها لكنك هناك على الطرف الآخر تحاول جاهدا ألا تخدعك هذه الألوان المبهرجة، والأضواء المزركشة، تحاول أن ترى النور بصفاء قلبك وطهارة أنفاسك، تسعى لترى شيئا آخر، تشعر به داخلك، وتعلم يقينا أنه نهاية مشرفة لصبرك واجتهادك في تعظيم ما أمر به خالقك ومدبر شؤونك.

اليوم أنت مطالب أن تختار فلا مكان في هذه المعركة للحياد، اليوم لا يمكنك أن تفاوض لتقول أريد شيئا من هذا وبعضا من ذاك، فالأمر لا يحتمل إلا أن تكون سيفا قاطعا يجنبك الانزلاق في متاهات غير محمودة أنت في غنى عنها.

صعوبة اختيار الدرب هنا لا تكمن في العقبات والاختبارات الكبيرة، على العكس إن اجتياز هذه الاختبارات قد يكون من أسهل الأمور عمليا لوضوحها وإقرار العقل الجمعي على نبذها، إنما تكمن الصعوبة في مقاومة ما هو أخطر مما يدور داخل هذه الروح البشرية المعقدة، تلك التفاصيل الصغيرة التي تتغلغل داخل نفوسنا والتي قد نتأرجح ونتهاون في اتخاذ قرار صارم في القضاء عليها رغم مناقضتها لمنظومتنا القيمية، فقط لأننا غلبنا أهواءنا وأمزجتنا ومصالحنا الشخصية بما يخدم لحظة عابرة قد يكمن فيها هلاكنا دون أن ندري.

في الطريق إلى القمم الدنيوية قد نسقط الكثير مما جبلنا عليه من خير، وقد نسقط بعضا مما نؤمن به من قيم، لكن الخوف المقلق من أن نستصغر ما يسقط منا فلا نوليه أقصى اهتمامنا بداعي تسيير الأعمال وتيسيرها، لأن من يتعود أن يتخفف من حمله الأخلاقي والقيمي والديني لأي سبب كان، لن يرى أبدا شيء يستحق التوقف من أجله حتى لو كانت ذاته نفسها.