شعار قسم مدونات

اللغة والماوراء

blogs - sunset

(1)
يبدأ الإيمان الديني من بعد "عتبة العقل"، تلك العتبة التي أظهرها "كانط" بوضوح، إن لم نقل هو الذي شيّدها عنما فصل بين عالم الظواهر والعالم الحقيقي، والتي تجعل الإنسان يشعر بأنه مسجون داخل عقله مهما كان هذا العقل هائلاً جبّاراً. ولكن الإيمان إذا كان يتخطى حدود الفكر والعقل، فهو لا يتخطى حدود اللُّغة والكلمات، وذلك حينما يعمل على التعبير عن نفسه.

إن الشعور الديني، وكل شعور إنساني هو بالطبع ليس متقيداً باللُّغة بالضرورة، فهو عالم منفصل قائم بذاته بطبيعة الحال. ولكن عندما يتم التعبير عن هذا الشعور، حتى وإن كان ذلك بمعزل عن أي شروط للعقل، فإن هذا التعبير على الأقل بالنسبة للمتلقِّي، هو خاضع لشروط اللُّغة والفهم الإنساني لها.

إذاً اللُّغة هي عتبة أُخرى يستحيل تجاوزها، حتى لو تم تجاوز حدود العقل. ولا يُمكن لأي افتراضات لاهوتية أن تحل هذه المعضلة، لأن هذه الافتراضات ببساطة تنتمي إلى نطاق الإيمان الديني، الذي هو في الأساس موضوع النقاش.

إذا اختفت الكلمات، فلن يكون هُناك شيء يجمع هذه الأفكار والإحساسات المختلفة والمتباينة باختلاف وتباين البشر حتى داخل الثقافة الواحدة.

وفي حالة النصوص الدينية لا يُمكننا بالطبع أن نستمد الفرضيات الأساسية لقراءتنا من هذه النصوص نفسها على اعتبار أنها تنطوي على طريقة فهمها وتفسيرها في داخلها، ببساطة لأن هذه الطريقة نفسها لا يُمكن الوصول إليها بدون قراءة وتفسير.

في النهاية لا مفر من الإقرار بأننا ندرك النصوص الدينية التي تعبِّر عن الغيب من خلال فهمنا البشري للُّغة والكلمات، حتى وإن تخلّينا تماماً عن العقلانية.

(2)
المفهوم المركزي في الإيمان الديني، مفهوم الأُلوهة، ترمز إليه الكلمات بأسماء مختلفة في لغات مختلفة. ولكن هل تستطيع الكلمات أن تشير إلى ما وراء المفاهيم أو ما وراء المحتوى النفسي المقابل لهذه الكلمة؟

كيف يُمكن لكلمة "الأُلوهة" نفسها أن تتخطى حدود الشعور الانفعالي الإنساني، أو حدود التجريد الذهني إلى ما وراء ذلك؟

إذا كانت الكلمات تشير إلى المفاهيم والصور الذهنية، أو إلى الشعور الديني الانفعالي الحي في الذات الإنسانية، فهي لا يُمكن أن تتخطى حدود الوعي الإنساني إلى الحقيقة المطلقة. أي أن كلمة مثل "أُلوهة" دائماً ستشير الى الداخل الإنساني، وسيكون مدلولها في الذهن مختلفاً باختلاف التكوين النفسي والثقافي وللإنسان.

ما الذي يُمكن أن يمثله مفهوم (أو شعور) الألوهة خارج الإنسان؟ قد يكون شعوراً إنسانياً داخليّاً مرتبطاً تماماً بالتكوين الأكثر غريزيةً للذات الإنسانية نفسها، أي لا علاقة له بأي تأثير خارجي، وهذا لا يعني بالضرورة أنه لا يمثِّل شيئاً أو انه مجرد وهم كلا، إنما يعني أن تكوين الإنسان بحد ذاته يحوي هذا المفهوم أو هذا الشعور. أو قد يكون شعوراً انفعالياً بالوجود الخارجي، تعبيراً عن حساسية الروح الإنسانية تجاه الوجود أو تجاه الحقيقة المطلقة كما يختبرها الإنسان المحدود والنسبي. وحتى إن افترضنا أن هذا الإنسان قد وصل الحقيقة المطلقة تماماً، فإن اللُّغة المستخدمة لتعبير عن هذه "الحقيقة" ستخلق في أذهاننا فكراً وشعوراً خاصّاً بنا نحن. وسيكون الذي نملكه في النهاية دائماً هو المفهوم والشعور أو الحساسية والانفعال، أي ما هو إنساني.

(3)
الآن إذا تخيلنا أن الكلمات والرموز التي تتعلق بالغيب لا وجود لها. ليس هُناك لا اسم ولا صورة، ولنتخيل فقط المفاهيم المختلفة -إن بقيت هُناك مفاهيم- التي كانت تربط بها هذه الكلمات والصُّور، ولنتخيل الشعور الإنساني المصاحب لهذه المفاهيم. هذا هو معنى أن ندرك الأفكار والشعور بمعزل اللُّغة والكلمات.

ستبقى هُناك مفاهيم بالطبع، وسيبقى شعور نفسي مرتبط بالمفاهيم وبالكلمات. ولكن ما الذي يوحِّد ويجمع هذه المفاهيم التي في البشر، ما الذي يجمع ويوحِّد شعور البشر المختلفين عبر اللُّغات والثقافات والحضارات والأزمنة المختلفة؟

إذا اختفت الكلمات، فلن يكون هُناك شيء يجمع هذه الأفكار والإحساسات المختلفة والمتباينة باختلاف وتباين البشر حتى داخل الثقافة الواحدة، ناهيك عن الحضارات والأزمنة المختلفة.

ربما هذا هو سر "الكلمة". إن الكلمة تجمع وتوحِّد الأفكار والمفاهيم والأحاسيس المختلفة. ولكن على أي أساس؟

على أساس أن الذي يُوجد أولاً هو الكلمة، قبل أن يُولد الإنسان تكون الكلمة موجودة وحية ويصاحبها المعنى والشعور الجماعي، وهذا المعنى لا يوجد في الفكر فقط أي في الكتب أو الخطابات العلمية والفلسفية الباردة، وإنما يوجد أيضاً الحياة اليومية، في الجسد في نبرة الصوت وفي تعابير الوجه، وفي الطقوس الشعائرية، في المواقف النفسية المختلفة: الخوف، الرجاء، الامتنان، الفرح، الحزن، اليأس، الأمل..

ولا ننسى هُنا التجسّيد الفني في الشعر والأدب وغيره لكل هذه الانفعالات الحية، في كل هذه المواقف تُوجد الكلمة حية متحركة، من هُنا تُنقش الكلمات في وجدان وفكر الانسان، مع كل هذه المعاني والإيحاءات.

ولكن الكلمة تظل منتمية إلى اللُغة والتاريخ والثقافة، ولا تُوجد هُناك كلمات عابرة للزمان واللًّغات والثقافات، أي ليس هُناك لغة ولا حتى كلمة كونية لكي توحِّد المحتوى الذهني والنفسي الديني لدى البشر بكل اختلافاتهم.

هكذا يبقى شعور ووجدان كل ثقافة في التاريخ مرتبطاً بكلمات محددة ترمز للمتعالي والمفارق، ولكنها تشير إلى العمق الإنساني، الى الشعور والذهن. أما عبر اللُّغات والثقافات المختلفة فقد يكون هُناك محتوى ذهني وشعور مشترك يتم التعبير عنه بكلمات مختلفة.

(4)
أَنَا أمُّ الأَشْيَاءِ جَمِيعاً
سَيَّدَةُ العَنَاصرِ
بَادِئَةُ العَوَالمِ
حَاكِمَةُ ما في السَّمَاواتِ مِنْ فَوْقٍ،
ومَا في الجحِيمِ مِنْ تَحْتٍ
أَنَا مَرْكَزُ القُوَّةِ الرَّبَانِيَّةِ،
أَنَا الحقِيقَةُ الكَامِنَةُ من خَلْفِ كُلِّ الإِلهاتِ
والآلهةِ، عِنْدِي يَجْتَمِعُونَ كُلُّهُمْ
في شَكْلٍ وَاحدٍ، وهَيْئَةٍ وَاحدَةٍ
بِيَدي أُقدِّرُ نُجُومَ السَّمَاءِ
وريَاحَ البَحْرِ
وصَمْتَ الجحِيم،
يَعْبُدنُي النَّاسُ بِطُرُقٍ شَتَّى،
وتَحْتَ أَسْمَاءٍ شَتَّى،
لَكِنَّ اسْمِيَ الحقِيقي هُوَ إيزيس
بِه ارْفَعُوا إِلىَّ أَدْعِيتَكم والابتهَالاَت.
(ترنيمة من الدولة المصرية القديمة، من مقال للدكتور يوسف زيدان، بعنوان الحكمة المؤنثة)

هُناك قوة أو روح أو ذات مفارقة لا يُدرك كُنهها، ولا تستطيع الكلمات أن تحيط بها شعور وُجد ويُوجد.

(5)
طالما أننا نعيش الآن في الألفية الثانية، فنستطيع أن نقول دون رهبة، هذه ليست "إيزيس" التي تتكلَّم هُنا في هذه الترنيمة، ومهما كان هذا النصّ عظيماً وبديعاً، فهو من إبداع الخيال الإنساني الخلّاق والمبدع، ولا حاجة بنا هُنا الى التأويل أو المجاز، ولا إلى اختراع أي نظريات ثيولوجية لفهم "إيزيس". فهي ببساطة قد تم هجرها في الآونة الأخيرة من عمر الحضارة الإنسانية، أقصد منذ ما يقدر بألفي عام على وجه التقريب.

ولكن بالعودة إلى الفقرة (3) يُمكننا أن نتخيّل الشعور الديني المصاحب لهذه الترنيمة، في اللحظة الأُولى التي تم التلفُّظ فيها بها، والشعور المصاحب عند قراءتها وترديها بشكل تعبدي شعائري.

إنها الآن، أي ترنيمة "إيزيس" وفي هذا العصر، وبعد كل تلك القرون، تخبرنا الكثير عن قوة الكلمات وعن تأثيرها، ولنا أن نتخيّل وقعها عندما كانت حية يُترنّم بها في الدولة المصرية القديمة. ولا مجال ولا معنى هُنا لإطلاق أي أحكام بأثر رجعي على أولئك الناس الذين رفعوا الأدعية والابتهالات إلى "إيزيس"، تماماً مثلما أنه لا مجال لهم هم أيضاً ولا معنى لإطلاق الأحكام على حضارتنا الراهنة بأديانها وفلسفاتها المتعددة المختلفة.

أما المفهوم الذي يخترق هذه الترنيمة من بدايتها إلى نهايتها، فهو مفهوم "الوحدة" وحدة الحقيقة، وحدة الأُلوهة ما وراء الكلمات والأسماء، وحدة القوة التي تهيمن على كل شيء. ولكن "إيزيس" الكلمة والمفهوم، قد أخفقت، أو بالأحرى أخفق ذلك الذي تكلّم بلسانها في حل معضلة اللُّغة والكلمات، لأن "إيزيس" أصبحت جزءاً من التاريخ. وهذا هو مصير كل ما يتجسّد في التاريخ، وفي اللُّغة، يذهب مع التاريخ.

هُناك حقيقة متعالية، هذا شعور وُجد ويُوجد باستمرار في التاريخ، هُناك وحدة كامنة خلف التعدد والاختلافات هذا أيضاً شعور وُجد ويُوجد باستمرار في التاريخ، هُناك قوة أو روح أو ذات مفارقة لا يُدرك كُنهها، ولا تستطيع الكلمات أن تحيط بها شعور وُجد ويُوجد. ويكاد يكون هذا الشعور هو بحد ذاته الجوهر الثابت خلف التعدُدات والاختلافات، لأنه ينتمي إلى العمق الإنساني المشترك والخالد.