شعار قسم مدونات

أفكار شابة عاطلة عن العمل

blogs-عن عمل
منذ أن أنهيت متطلبات الحصول على درجة البكالوريوس، وقامت الجامعة "بتخريجي" منها قبل عدة أشهر، وأنا كالطفل اليتيم الذي فقد أمه، أهيم كل يوم في طرقات البحث عن عمل، أطرق أبواب مواقع التوظيف الإلكترونية، مشككة أحياناً في صدقيتها، وأصاب بخيبات أمل متتالية، أتعثر وأقف، المهم أنني أواصل. ستة أشهر حتى الآن قضيتها في المنزل منذ آخر امتحان أديته في الجامعة، اختبرت خلالها ذبولاً لم أجربه من قبل، كنت قد أدمنت العمل التطوعي والعمل الطلابي في الجامعة، كل يوم مغامرة، وجوه جديدة، تحديات مختلفة، ضغط الامتحانات والاعتصامات الطلابية ومواسم العمل المكثف وتسليم المشاريع والانتخابات واستقبال الطلبة الجدد، كل هذا سيختفي الآن.
 

كنت أمر بفترات صعود وهبوط، أنكب على الكتب بنهم، أقضي الساعات في متابعة محاضرات التاريخ والفقه، أتعلم اللغة التركية، ثم فجأة أجد أن لا جدوى من كل هذا طالما أنني لا أقدم شيئاً لهذا العالم، وأغرق في اكتئاب يطول أو يقصر، ثم برحمة من الله أمتلك القوة لأنهض مجدداً، سيطرت على فكرة أنني عالة على العالم، وبت أخجل من نفسي وأجلدها باستمرار، كانت فكرة أنني لا أستحق أن أعيش قاسية وسوداوية جداً، لكنها -مع ذلك- تلبستني لفترة.
 

لطالما شعرت أنني لم أستفد من قراءاتي الكثيفة واهتماماتي الأدبية والفنية والأعمال التطوعية والتجارب الاجتماعية الإنسانية هذه كلها التي حرصت على تجربتها، لم تفدني في الحصول على وظيفة

بعد أن تخرجت، وحصلت على الورقة التي تقر بأن الجامعة الأردنية تشهد بأنني أنهيت متطلبات الحصول على درجة البكالوريوس وأن مجلس العمداء قرر منحي الدرجة وجميع امتيازاتها وحقوقها، وضعت الشهادة مع باقي شهادات المدرسة وشهادات التقدير -لم تكن مختلفة كثيراً- وبدأت حينها أفكر: ماذا سأفعل؟
 

عندما بدأت بتقديم طلبات للعمل، تابعت كيف كانت -وما زالت- ترفض الطلبات التي أتقدم بها، بينما يتوظف زملائي وبعض ممن كانوا معروفين بقلة الكفاءة، وأنا أنتظر.. ندمت لأنني التزمت طوال سنين الجامعة بمبدأ الاهتمام بصقل شخصيتي وتجربة العمل التطوعي على حساب الاهتمام بدراستي، كنت قد حافظت على مستوى دراسي جيد جداً، لكنه لم يؤهلني حتى اليوم لمزاحمة "الواسطات" في سوق العمل، ولم يؤهلني كذلك للمنافسة بقوة في وسط ذو تنافسية عالية كالوسط التكنولوجي، فأصحاب العمل يلتفتون إلى المعدل الجامعي الممتاز وعدد سنوات الخبرة التي أملك منها صفراً، وعدد الشهادات المعتمدة والدورات التي أخذتها وأيضاً لم تكفني.
 

في كل مرة كنت أتقدم فيها بطلب توظيف كنت أحدث نفسي أن هذا هو العمل الذي سأحصل عليه، تمر الأيام ولا يتصل أحد بي، أعاود الكرة وفي كل مرة أظن أن هذا هو العمل الذي سأحصل عليه ولا يكون. في النهاية غرقت مجدداً في اليأس وفقدت الإيمان بأنني أستطيع فعلها. كنت قد فقدت الإيمان بأنني أستطيع فعل أي شيء تماماً، عزفت عن الكتابة وتوقفت عن متابعة دروس اللغة التركية وعن الرسم والقراءة، لم أعد أؤمن بقدرتي على إنجاز أي شيء. في بلادي العربية يعاني الخريجون الجدد في رحلة البحث عن عمل، فما بين "الواسطات" التي إن لم تمتلكها ففرصتك أضعف في الحصول على وظيفة، وما بين شروط العمل التي تطالع دوماً في مقدمتها: سنوات خبرة لا تقل عن كذا.
 

من أين يحصل على الخبرة شاب يطرق الأبواب منذ أشهر ولا أحد يستقبله؟ فأنت تحتاج إلى الخبرة حتى تعمل، وتحتاج أن تعمل حتى تكسب الخبرة، إنها بحق دوامة! الأسوأ من ذلك هو أنك عندما تقرأ متطلبات الحصول على وظيفة ما، تشعر كما لو أن أصحاب العمل يبحثون عن آلات لتنجز لهم أعمالهم مقابل مكافأة مادية، الجميع يكتبون أنهم بحاجة إلى شخص لديه القدرة على العمل تحت الضغط، تماماً كالآلات التي لا تتعب! ومهارات تواصل جيدة، والعمل ضمن مجموعات، لكن لا أدوات لقياس ذلك عند المتقدمين للوظيفة! كيف لصاحب العمل أن يعرف هذه المهارات من خلال طلب إلكتروني أتقدم به!

لطالما شعرت أنني لم أستفد من قراءاتي الكثيفة واهتماماتي الأدبية والفنية والأعمال التطوعية والتجارب الاجتماعية الإنسانية هذه كلها التي حرصت على تجربتها، لم تفدني في الحصول على وظيفة، فلا يهم صاحب العمل إن كنت تستمع إلى مقطوعة موسيقية ما أو إلى فتاة تصرخ ويتم تعديل صوتها على الأجهزة وتتعرى أمام الشاشات فحسب، لا يهمه إن كنت تعرف تاريخ فتوحات الدولة العثمانية أو لا، لا يهمه إن كنت مهتماً بنقل هذه المعارف إلى بيئتك وزملائك في العمل، لا يهمه أي شيء أكثر من معدلك الجامعي وبعض الكفاءات الأكاديمية الأخرى مثل الشهادات وسواها.

وهذا في الواقع أمر محبط، فلطالما كانت هناك فئة متفوقة جداً دراسياً وأكاديمياً، فاشلة ثقافياً واجتماعياً، لا تنخرط في الانتخابات ولا التظاهرات الطلابية ولا تعبر عن اعتراضها تجاه اتفاقيات الدولة مع العدو الإسرائيلي مثلاً، لا تتدخل في أي شيء، ولا تستطيع أنت أن تقيم معهم محادثة عابرة عن جمال الخريف لأنهم بالكاد يلاحظونه! المحبط في الأمر أن أصحاب العمل يبحثون عن هؤلاء ليوظفوهم ويدفعوا لهم المال! بينما تجلس الفئة الأقل تفوقاً دراسياً بدرجات فقط، المهتمين بصناعة الإنسان في أنفسهم -قبل الآلة- عاطلين عن العمل!
 

ويبدو أننا يجب أن ندرك أن الكفاءة من منظور صاحب العمل تعني أن الموظف الجالس خلف مكتبه سينجز المهام على أحسن وجه، والذي يضمن ذلك هو شهاداته ومعدله الجامعي!

ألا يبعث على اليأس أن تجد أصحاب العمل يؤسسون لتمكين هذه الفئة من العاملين الآليين ويسعون لتحييد الفئة التي يمثلها شاب يؤمن بأنه سيحصل على المعرفة العملية في ميدان العمل وليس في معدل الامتياز الجامعي، ويجتهد بدلاً من ذلك في صناعة شخصية مؤثرة وإنسان ذو قيمة وذو عقل يفكر ويتأمل ويبحث؟
 

الأسوأ أنهم يفعلون ذلك بدعوى " الكفاءة! ويبدو أننا يجب أن ندرك أن الكفاءة من منظور صاحب العمل تعني أن هذا الموظف الجالس خلف مكتبه سينجز المهام المطلوبة منه على أحسن وجه، والذي يضمن ذلك هو شهاداته ومعدله الجامعي، لكن في الواقع لا شيء يعلم الإنسان كالتجربة والخطأ، والتعليم الجامعي في بلادنا لا يعطي فرصة معتبرة للتجربة والخطأ، لأنه مبني على دراسة المناهج المقررة ثم تفريغ ما في الرأس في ورقة الامتحان، أما مشاكل العمل وتحدياته التي تواجه الموظف فمن أين للطالب أن يختبرها في جامعته؟
 

ومن أين للطالب الذي قضى سنينه الجامعية بين كتبه وهو يحرز التقديرات الممتازة في المادة تلو الأخرى، من أين له الجرأة ليخطئ ويتعلم ويبحث في مصادر جديدة أو يطلب المساعدة من زميل لم يسلم عليه يوماً في مبنى الشركة هذا؟ إن مفهوم الكفاءة من منظور أصحاب العمل أعوج بعض الشيء.
 

وأنا في كل مرة أراجع فيها سيرتي الذاتية أفكر في محو الجزء الذي يتضمن أنني مهتمة بالفن والموسيقى والقراءة، والجزء الذي يتحدث عن أبرز الأنشطة التطوعية والأعمال الاجتماعية التي شاركت فيها والإنجازات غير الأكاديمية التي أنجزتها، وأحدث نفسي: من يكترث يا عزيزتي؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.