لا أحب إسطنبول

هذه هي المدونة الثانية عشرة من مدوناتي هنا، أخرج فيها عما رسمته من مواضيع، لأكتب على غير نسق، أو موضوع، أدون شيء من حكاياتي عن المدينة التي أقيم فيها، والتي لم أعرفها بعد حق المعرفة، وأعتذر عن عدم استكمال ما بدأته من حديث عن شيللر كوني لانشغال قليل هذا الأسبوع، وربما الذي يليه.

ثلاث سنوات أتممتها هذا الشهر في إسطنبول، جئتها عابرا فمكثت إلى حين. وثلاث هي نفسها أتممتها قبل شهر من الشهر، زوجا.
 

إن من الجمال ما يفوح إذ يلوح، تدركه النفس بحواسها فلا تجادل فيه، ومنه ما يحتاج منك لنظر تلو النظر لتدركه.

جئت المدينة إذًا على حين فرحة في مهدها. وجئتها على حين حزن لف الحياة بعد ما كان في أغسطس قبل ثلاثة أعوام.
 

تدافعا، تلك الفرحة وذلك الحزن، وأزقة المدينة القديمة تحرس الأولي من ثقل الثاني، غير أن المدينة نفسها كانت ثقيلة أحيانا.
 

لا ثقل الغربة، فما أنا ممن تدركهم الغربة في مكان، بل ثقل ارتباط المدينة نفسها بنسيج الحزن الذي كان، أمّنْتُ فرحتي مدينةً كان ولاؤها للمحزونين أكثر، ففي كل زاوية حكاية عن لاجئ، أو هارب، أو محكوم أو أو ممن تعرفهم الشوارع والجوامع وأكواب الشاي المر على المقاهي.
 

كان ثقل أمانتي على المدينة كبير، من أين لها أن تقسم قلبها بين هؤلاء وبيني، وأنا الذي لم أكن رفيقا بها إذ صرحت بعد شهر واحد من وصولي إليها بأنني لا أحب إسطنبول.
 

والمضحك، أني أحببت في نفس ذلك الشهر الأول أنقرة أكثر، تلك القرية الصغيرة التي لم يعنها الزمان لتكبر، فبقيت قرية بثياب مدينة، تنام في أول الليل فلا ثم صخب أو ضجيج.

 كانت أنقرة، على جفاف جوها، وبرودة طقسها آنذاك أدفأ للفرحة الجديدة، وكانت هديتها لنا أن قربتنا من قونية، من مولانا الرومي، ومن مولانا نصر الدين جحا. هناك كان الجمال على الحقيقة.
 

قونية، الرحبة دائما، شوارعها وسماؤها، ووجوه بائعيها.. مدينة جديرة أن تحتضن الدراويش، والظرفاء.
 

أما مدينة السلاطين، درة العمامة العثمانية حين كان للعثمانيين عمامة، فمذهبها في الجمال ما عرفته بعد ذلك.
 

تبدو إسطنبول خليطا في كل شيء، خليط غير متجانس أحيانا وإن بدا عكس ذلك، ولعل أبرز صور عدم التجانس هي المرسومة في آيا صوفيا.

إن من الجمال ما يفوح إذ يلوح، تدركه النفس بحواسها فلا تجادل فيه، ومنه ما يحتاج منك لنظر تلو النظر لتدركه، وهذه المدينة على هذا المذهب، فهي ممن لا ينكشف جماله إلا بالنظر، جمال إن جاز أن نسميه "عقلي" كجمال لوحات الخط الكوفي، هندسته ونظامه هي جماله.
 

عرفت إسطنبول في الكتب قبل أن أعرف سواها من مدن، من حكايات التاريخ، ومن كتاب أثير في نفسي، هو سيرة حياة محمد الفاتح للدكتور سالم الرشيدي، والذي قدّم له الشيخ علي الطنطاوي، وكانت نسخة أبي مجلدة جلدها هو، وذهّبَها، وكتب عليها بخط نسخ كبير اسم الكتاب، فوقعت محمد في سطر والفاتح في السطر الآخر، وكنت آخذ الكتاب بعد أن يضعه أبي ويخرج، لأستلقي كما كان يفعل، وأضع نظارة على عيني، وأقلب الصفحات بحثا عن صور فلا أجد إلا الخرائط، ثم كبرت، وقرأت الكتاب، وتعلقت بصاحبه، وأظنني، أقول أظنني قد تلف تجليد الكتاب بين يدي إذ كان يشغلني اكتشاف طبقاته، فكنت أفصلها، تذكرت ذلك الآن وأسجله لأحذر ولدي حين يقرأ هذا الكلام يومًا أن يفعل ما كنت أفعل.
 

تبدو إسطنبول خليطا في كل شيء، خليط غير متجانس أحيانا وإن بدا عكس ذلك، ولعل أبرز صور عدم التجانس هي المرسومة في آيا صوفيا، ذلك المبنى الذي لا يعرف هويته، بمآذنه الوافدة عليه، والتي تكشف شكلا من أشكال العقل الإسلامي في العصور المتأخرة، وأنا هنا أتحدث عن رمزية الصورة المعمارية فقط لا عن طريقة انتقال الكنيسة إلى مسجد لأن فيها تفصيل يعرفه الباحثون. إضافة "المآذن" على المباني القديمة الغريبة لا يكفي ليجعلها "مسلمة" المظهر فضلا عن الجوهر.
 

تماما، كما لم يكف بناء قصر الحكم، على أنساق أوروبية مختلفة كما هو حال قصر دولمة بهتشة، بجعل الدولة أوروبية حقيقة، ولم يكن نمط قصر الباب العالي بعمرانه العثماني هو الحاجز بين الدولة وبين التحديث الذي كانت ترجوه.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

انطلقت أعمال مؤتمر "إسطنبول الثاني لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها- إضاءات ومعالم"، وذلك بهدف تأسيسٍ معرفي لتعليم اللغة العربية بتركيا، ويشارك بالمؤتمر باحثون من أميركا وعدد من البلدان العربية والإسلامية.

دعا المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث إلى تعزيز اندماج المسلمين بمجتمعاتهم الأوروبية لتحقيق مشاركة فاعلة تكفل حقوقهم، وتساعد على الوفاء بواجباتهم، وذلك في ختام مؤتمر عقده في مدينة إسطنبول التركية.

احتضنت العاصمة اللبنانية بيروت أمس الخميس معرض صور عن ملحمة التصدي الشعبي في مختلف المناطق وخاصة بالعاصمة أنقرة ومدينة إسطنبول لمحاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في تركيا منتصف يوليو/تموز الماضي.

تقدم بلدية منطقة أسنلار بإسطنبول فرصة للأجداد والأحفاد القاطنين فيها لقضاء وقت ممتع ومفيد معا، عبر مركز هو الأول من نوعه في تركيا، والذي أصبح حلقة وصل بين الأجيال.

الأكثر قراءة