في اللجوء

يحنّ الإنسان للرحيل، ويتشوّف للقصيّ، وربما تعود به هذه الأفكار لأزمان الترحل والبداوة التي عاشها قبل أن يبتني لنفسه القرية والمدينة، وهو يطمح في أزمان السفر الميسر إلى سياحة دائمة مستمرة، ولا يمنعه من هذا سوى العلاقات التي اشتبك بها مع الحياة.
 

ويبدو أنه من السهل على البعض التخفف من قيوده، ليسافر باستمرار بحثا عن تجارب ودهشات جديدة، وأدب الرحلات زاخر بحكايات الرحّالين، من أيام ابن بطوطة وما قبلها، إلى عصر سناب شات. ربما يجمع هؤلاء حسن حظ لا يملكه الآخرون، ولّده انفتاح قرائي وثقافي مبكر على العالم، وتكوين نفسي فريد يساعد على الخروج من المعتاد، وكونيّة في الشعور بالاتصال مع الإنسان والمكان في كل أنحاء الدنيا، بالإضافة للاكتفاء المادي، فالفقير وهو مشغول بقوته وأعباء يومه لا يسافر بداعي الفضول، إنما بدواعٍ أخرى، ومن نفل القول تعداد أنواع السفر لأنها مما يُعرف بالبداهة، فالإنسان يسافر سائحا، وطلبا للرزق وللتداوي، وبحثا عن المعنى أحيانا، ويمكن النظر لقوافل الماشين في أدغال العالم وصحاريه على أنهم امتداد للدراويش ومتصوفة العالم القديم.
 

على تخوم الجبال، وفي الصحاري، وعلى أعتاب المدن المأهولة ينصب اللاجئ خيمته منتظرا أقداره، من أمامه التشرد وفي أعقابه الحرب.

لكن ما معنى أن تكون لاجئا؟ فاللجوء في النهاية هو نوع من السفر ولكن بإكراه، يُحمل عليه الإنسان كما يُحمل الخائف من ثأر عدوه على الفرار من ديار القبيلة. اللجوء سفرٌ صعب، ولا يمكن النظر لمعاناة لاجئ ما على أنها امتداد لمعاناة لاجئ سبقه، لأن على كل لاجئ أن يخوض الأمر من أوله بكل ما فيه، عليه أن يبتلع اللقمة الشوكية بالرحيل عن الوطن، وأن يراعي أخطار الطريق من لصوص وبرد ومطر وجوع وعواصف وأعاصير وأمواج كالجبال، وعليه أن يعتاد نظرات الشفقة أو البغضاء التي تخترقه كالنبال، وعليه أن يربي الأمل -أو يطرحه سريعا- بالعودة إلى الوطن يومًا ما، لأنه لا يمكن العيش بنصف أمل، فإما أمل كامل بالعودة، أو يأس كامل منها.
 

على تخوم الجبال، وفي الصحاري، وعلى أعتاب المدن المأهولة ينصب اللاجئ خيمته منتظرا أقداره، من أمامه التشرد وفي أعقابه الحرب، يكسوه الشرود، ويرسل نظرا ساهما في الأفق، لأنه في وضعه المعتاد قبل أيام، كان بإمكانه أن يمارس حياةً طبيعية جدا لا تثير الغرابة أو انتباه السابلة، ويظل مشغولا بصدمته الطازجة عما عداها، ويطيل الصمت قبل أن يكتسب كلامه مفردات لم يكن بحاجة لها سابقا وهو يتعرف على الاغتراب للمرة الأولى، فيتدهور كلامه في مهاوي الألم والحنين، ويهمل نفسه، ثم يهزل بالقدر الكافي ليبدو كمسلول حقيقي.
 

يتعرف اللاجئ على وضعه الجديد بحذر، في جو بارد أو حار غير الذي اعتاده، وبقيود لغةٍ أو لهجةٍ أخرى، يضطره الأمر للدخول للمدينة التي سيُعرف فيها بِسيماه بسهولة، لونه أكثر أو أقل بياضا وسمرة، يكثر من التلفت والترقب، ويبدو بوضوح أنه لا يملك وجهةً سليمة، وحين يطيل التجوّل يجد مسجدا أو كنيسة يتخذها علامةً لتجولاته الاستكشافية القادمة، فالمعابد هي الأماكن الوحيدة التي يمكن أن يوفر رحمةً بلا شروط قبليةٍ أو بعدية.
 

في الوطن تُكمل أوجاع الحربِ تخلّقها، ويُجرح العمران فينزف لاجئين تدور بهم عجلة الهرب نحو طرق الخروج التي بقيت سالمة من القصف حتى الآن، تمتلئ الدروب بالحافلات المكتظة والعائلات الراجلة وبكاء الصغار المستفز، ولاحقا، يلتحق اللاجئ باللاجئ، ويتعارفان في المنفى، وتكتظ العوائل في كانتونات مؤقتة، وفي الأنفاق وتحت الجسور، وفي الليالي الباردة يتشارك الجميع مآسي الوطن على نار صغيرة لا تكفي لتهدئة الارتعاشات المتعددة من حولها.
 

يهطلُ المطر في المنفى، ويتساقط الجليد القاسي وهو لا يبالي بما يفعله البرد. البرد يحطم الإرادة، ويهزم كل دواعي الإيثار بالدفء سوى عند الأمهات، وأقسى أشكال الموت هو التجمد، ذلك الموت البطيء الذي يغلب الجسم عضوا عضوا قبل أن تستلم أساليب التدفئة في "وطاء" الدماغ، وتخسر معركة ضبط درجة حرارة الجسم المنهك، فيسقط جثة هامدة، بيضاء وشاحبة. شاهد اللاجئ هذا كثيرا، وجربه حتى ما قبل النهاية، مثلما جرب الموت بطرق أخرى، وحين أفلت منها، ظل خائفا من طرق موت مبتكرة.
 

يصحو اللاجئ في تكرار ممل، وتزيده الانتظارات الكثيرة والطوابير الطويلة مللا. يكتشف لاحقا كم هو عزيز حضن الوطن رغم جوره، وكم هو شاق حب المنفى.

أكثر ما يملكه اللاجئ هو الوقت، تماما كالسجين، وفي كل وقت يجرب فيه الأبدية يسائل نفسه كثيرا، ويخترع مونولوجيات (حديث النفس) عديدة، ربما ليكتشف أنه، ولسوء الحظ، شاعرٌ خبأته السلامة طويلا، وفي لحظة فريدة يتلمس بأصابعه طرق الاغتراب، يدلق فوقها دم الكلمات منهكا من روح تتآكل كالفخار، وتولد القصيدة، لكن اللغة التي كان يُراد منها العزاء، صارت تستنطق المراثي وتولدها، في حركة دائبة، ولذا لا يجد الشاعر عزاءه أبدا، ومن هذا كله ينجو الذي لم تملك روحه رهافة كافية لقول الشعر.

وربما يغني في محاولة للنسيان، وحين تغطي الكونَ تعويذةُ الظلام، يبدأ سردُ الكآبة بالتدفق، ويترك الحزن تخفّيه. أعرى ما يكون الإنسان في الليل، واللاجئ أعرى الآدميين، وفي مكانه المنسيّ تصله من بعيدٍ قهقهاتٌ جموحة، وأغانٍ ذات صدى، فتهتز الذاكرة وتتساقط منها، حمراءَ كالفراصيد، ومثل حبوب البن، ذكرياتٌ صغيرة جدا تنتثر على الأرض بعشوائية يصعّب الظلام من إمكانية إيجادها.
 

يصحو اللاجئ في تكرار ممل، وتزيده الانتظارات الكثيرة والطوابير الطويلة مللا. يكتشف لاحقا كم هو عزيز حضن الوطن رغم جوره، وكم هو شاق حب المنفى.

يتابع وطنيو المنفى بأسى، والذين يتهمونه بأنه سبب البلايا، وتصيبه الخيبة لأن دفاع الطيبين عنه لم يعد ذا جدوى، يُغلق مخيمه فينتقل لمخيم آخر، ويلفظه الجبل فيغشى السهل، يتخذ الترحال المستمر صديقا، اضطرارا لا اختيارا كما يفعل السائح الرحّال، وفي مكان من هذه الأمكنة، ربما يلتقيان ويديران شاي الحوار بينهما حول دواعي سفرهما، حوار يكون ملهاةً للاجئ الذي أرهقه الملل، ومأساةً صادمة ترمي الرحّال في دوامة من الشعور بالعجز، والرغبة الملحة في إصلاح عالم لم يعد قابلا للإصلاح.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

يتظاهر لليوم الثامن على التوالي نحو ثلاثمئة لاجئ سوري أمام البرلمان السويدي للتعبير عن رفضهم قوانين اللجوء الجديدة التي أقرها البرلمان مع نهاية العام الماضي، ودخلت حيز التنفيذ قبل أيام.

منذ الصيف الماضي فتح مركز كرنياشا قرب بلغراد أبوابه للاجئين الذي قدموا إلى أوروبا من دول آسيوية وعربية، ومن وقتها يعيش اللاجئون الجدد بوئام مع اللاجئين القدامى من صرب كرواتيا.

كشف تقرير لمجلس أوروبا النقاب عن صعوبات يواجهها اللاجئون السوريون خارج مخيمات اللجوء في تركيا، بدءا بعمالة الأطفال ومرورا بالزواج المبكر بدافع الفقر ووصولا إلى الظروف المعيشية المتردية.

الأكثر قراءة