عشرون عاما والجزيرة صحبتي

تطل علينا عبر شاشات التلفزة قناة إعلامية جديدة تبدأ بثها بآيات من الذكر الحكيم من أول سورة البقرة حتى الآية 16 منها، بعدها استعراض لبرامج اليوم، تلا ذلك مشاهدة أول نشرة إخبارية في القناة الجديدة.

ونسمع في مقدمتها بعد العناوين صوت الإعلامي المتميز جمال ريان قائلا "أهلا بكم هذه أول نشرة إخبارية من قناة الجزيرة في قطر معكم إلهام بدر وجمال ريان".

مثلت تلك اللحظة واحدة من أهم اللحظات في تأريخ الإعلام العربي والعالمي حينها برزت لنا قناة الجزيرة القناة التي تعتبر أكثر قناة شاركت وساهمت في نضج الوعي العربي بشتى مناحيه.

مثلت انطلاقة قناة الجزيرة قبل عشرين سنة أهم اللحظات في تأريخ الإعلام العربي والعالمي

كما ساهمت أيضا في خلق واقع إعلامي جديد وطريقة إعلامية جديدة لم تكن مألوف لدى المنطقة كلهاالرأي والرأي الاخر، وهو الشعار الذي اختارته إدارة القناة للمضي قدما في واقعنا العربي المصادر حريته ورأيه ولسان حالها هذه واجهة لطرح كل الاراء بدون تحفظ ،هنا لا حواجز ولا استثناءات في الاراء والأفكار وحق التعبير والحريات بحيث لا تخل بحقوق الاخرين ولا تنتقص من أحد.

أصبحت الجزيرة بالنسبة لنا نحن العرب كالنور الساطع في هذا الجو الملبد بالغيوم وهي المنفذ الذي نتنفس منه عبق الحرية ونسيم الحياة العليل لقد بثت فينا روح الأمل من جديد بعد أن كادت تقضي عليه رزنامة الإعلام المتسلط وطوفان العبودية السلطوية.

لم نشعر في حياتنا بحرية الرأي وحرية التعبير على الأقل كما شعرنا به مع الجزيرة، ولم نكن نتخيل أن تنزاح عنا هذه الغمة السلطوية التي تهوى رق الكلمة وعبودية الأصوات بهذا الشكل السريع قبل أن تنطلق هذه القناة الرائدة فلقد أصبحت هي الملجأ الذي نأوي إليه للهروب من جحيم تغابي واستعمار الإعلام السلطوي.

انطلقت قناة الجزيرة في هذا الفضاء الإعلامي الواسع المقيد والمكبل في منطقتنا العربية والمناطق المتخلفة، فقط الفضاء الذي يسبح ليلا ونهارا بجبابرة طغاة مستبدين طوعوا كل شيء في بلداننا لخدمتهم والتسبيح بحمدهم، وإظهارهم وكأنهم صانعوا المعجزات والخوارق وقد مارسوا شتى أنواع القهر والاستبداد والغطرسة على هذه الشعوب.

ولم يسلم منهم حتى حرية الرأي والتعبير ومداد القلم وهمس الشفاه، بل حتى الأحلام في المنام عملوا على فحصها وفلترتها والتفتيش في نوايا الناس وأمانيهم، حتى أتت قناة الجزيرة فكسرت هذا الفضاء المعتم على الناس وفتحت افاق الفضاء كله للناس دون قيود فكرية أو تقييد للحريات أو تكميم للأفواه أو مصاردة الرأي والرأي المضاد، وكفلت حق التعبير وفتحت أبوابها مشرعة لكل ذي رأي وفكر.

عشرون عاما لحد الآن هي عمر هذه القناة بل هي سنوات المجد للحرية الإعلامية في الوطن العربي سنوات الربيع للإعلام العربي فقد مهدت لبقية القنوات هذا الفضاء الإعلامي الذي تدين به كل القنوات الأخرى لهذه القناة، التي ارتقت سلم المجد بخطوات واثقة ومتناسقة ومطردة أيضا.

عشرون عاما لحد الآن هي عمر قناة الجزيرة بل هي سنوات المجد للحرية الإعلامية في الوطن العربي سنوات الربيع للإعلام العربي

ومع كل هذا العمر المديد والعمل الدؤوب والمتجدد دوما ستظل دائما هناك أقلام سوداء تنتقص من ريادة هذه القناة وأهليتها وزعامتها للإعلام العربي كله ،هذا كله لأن هؤلاء إما أنهم رضعوا لبن العبودية والرق وصاروا دما وبيادق بيد الحكام المكممين للأفواه، بل إنهم ينطبق عليهم قول أفلاطون "لو أمطرت السماء حرية لرأيت العبيد يحملون المظلات" أو أن الجزيرة دكت معاقلهم الحصينة فلم تترك لهم حصنا يستليذون به فعمدوا إلى مهاجمتها والانتقاص من رسالتها.

وهيهات لهم ذلك، تقف الجزيرة دائما وأبدا في صف الإنسان وتعمل على صيانة كينونة هذا الإنسان، واحترام أدميته والمحافظة على روحه سليمة صافية خالية من العبودية والانكسار والضعف والوهن تزرع فينا حب الخير، وتؤصل فينا روح الإباء والشموخ والعزة والكرامة وحرية التعبير وحق الرأي والفكر السامي؛ فهي تناضل من أجل تحرر الأمة العربية من العبودية السلطوية بينما غيرها يعمل على المطالبة بتحسين شروط العبودية حسب كلام المفكر مصطفى محمود.

لا يمكننا إلا أن نقف إجلالا واحتراما لهذه القناة الرائدة فهي القناة التي سعت أيضا وبكل طاقاتها وإمكانياتها لتحرير العالم العربي من تسلط الإعلام الغربي، وأوجدت المناخ المناسب لإعلام عربي حر وخارج عن سلطة الرقيب أيضا عشرون عاما والجزيرة صحبتنا ليلا ونهارا فلك العمر المديد ولشانئيك موتوا بغيظكم وإلى الأمام بإذن الله.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

صدر العدد الـ57 لشهر نوفمبر/تشرين الثاني 2016 من مجلة الجزيرة تحت عنوان "الخط العربي.. الرسم بالحروف" والذي يتناول جماليات الخط العربي وتأثيره تاريخيا في خطوط لغات أخرى، وتأثره بحوسبة الحروف.

الأكثر قراءة