خيوط المؤامرة من نابليون إلى بلفور

نعيش هذه الأيام على مرور 99 عاماً على الوعد المشؤوم الذي أطلقه وزير الخارجية البريطاني "آرثر بلفور" إلى اللورد "روتشيلد" أحد قادة ومؤسسي الحركة الصهيونية العالمية، حيث عُرفت تلك الرسالة التي أبرقها "بلفور" عام 1917 بوعد "بلفور" التي تضمنت وعداً رسمياً بتعهد الحكومة البريطانية بإقامة دولة لليهود على أرض فلسطين.

وعد "بلفور" لم يكن وليد تلك اللحظة بل جاء تتويجاً لعمل مشترك بين الساسة الأوروبيين ويهود أوروبا اعتمد على التخطيط الذي استمر لأكثر من 120 عاماً منذ محاولات نابليون عام 1799 وحتى صدور الوعد المشؤوم عام 1971.

وعند الحديث عن فلسطين ونكبتها، لا يمكن لأي باحث أن يتجاهل الجهد التوثيقي الكبير الذي بذلته الإعلامية "روان الضامن" في سلسلتها الوثائقية التي حملت عنوان "النكبة" والمتألفة من أربعة أجزاء أولها "خيوط المؤامرة"، والذي يتناول المؤامرة على فلسطين ويكشف بأسلوب شيق ودقيق معلومات عن مراحل عمل يهود أوروبا منذ عهد "نابليون" وحتى حصولهم على وعد "بلفور".

وعد "بلفور" لم يكن وليد لحظة الإعلان  بل جاء تتويجاً لعمل مشترك بين الساسة الأوروبيين ويهود أوروبا اعتمد على تخطيط  استمر لأكثر من 120 عاماً

سأحاول عبر مقالي هذا اختصار وإعادة ترتيب أبرز النقاط التي وردت في ذلك الفيلم الوثائقي الذي أنصح وبشدة كل مهتم بالشأن الفلسطيني بمشاهدته.

نابليون " أيها الإسرائيليون انهضوا"
بعد أن تحطمت آمال القائد الفرنسي "نابليون بونابرت" على أسوار عكا عام 1799 عمل على إرضاء اليهود في أوروبا سعياً لكسب المزيد من الدعم لحملاته العسكرية فخاطب يهود آسيا وأوروبا "أيها الإسرائيليون انهضوا، فهذه هي اللحظة المناسبة، إن فرنسا تقدم لكم يدها الآن حاملةً إرث إسرائيل، سارعوا للمطالبة باستعادة مكانتكم بين شعوب العالم".

وقد نشر نابليون بياناً يدعو فيه كل يهود آسيا وأوروبا للقدوم إلى القدس تحت الراية الفرنسية وتحول نداء نابليون إلى خبر رئيس في الصحف الفرنسية، وذلك في محاولة من "بونابرت"  كسب المزيد من الدعم لحملاته العسكرية، لأنه كان يعاني من عقبات كبيرة على الشواطئ الفلسطينية.

"بالمرستن" و"محمد علي"
بعد هزيمة نابليون بحوالي أربعين عاماً، حاول وزير خارجية بريطانيا "بالمرستن" الاستفادة من يهود أوروبا بإن يقيم وطناً لهم في فلسطين فيكون بذلك أرضاهم من جهة، ويرد على محاولة محمد علي توحيد مصر وسورية عام 1840، فطلب من السفير البريطاني في إسطنبول محاولة إقناع الخليفة العثماني وحاشيتة بأن الحكومة الانجليزية ترى أن الوقت أصبح مناسباً لفتح فلسطين أمام هجرة اليهود.

قوبل الرفض العثماني باستجابة يهودية وكان من أوائل المتفاعلين البارون الثري ادموند روتشيلد الذي مول فيما بعد إنشاء (30) مستعمرة يهودية من أهمها مستعمرة "ريشون لتسيون" التي رفع فيها العلم "الإسرائيلي" الحالي.

"العروس جميلة جداً ولكنها متزوجة فعلاً"
عام 1885 ظهر لأول مرة مصطلح الحركة الصهيونية على يد الكاتب النمساوي ناتان بيرنباوم، وهدفها الاستيطان في فلسطين، كلمة والصهيونية مشتقة من كلمة صهيون إحدى تلال القدس. بعد ذلك نشر الصحفي الصهيوني ثيودور هيرتزل كتابه الدولة اليهودية باللغة الألمانية.

شعر "هرتزل" أن يهود أوروبا لا يزالوا متعلقين بالهجرة نحو أمريكا مما جعل الطبيب "ماكس نوردو" الساعد الأيمن لهيرتزل يرسل اثنين من كبار رجال الدين اليهود إلى فلسطين، حملا جوابًا من سطر واحد جاء فيه : (1896) العروس جميلة جداً ومستوفية لجميع الشروط، ولكنها متزوجة فعلاً.
فهم "نوردو" أن المقصود أن فلسطين ليس كما ذكر هيرتزل أرضًا بلا شعب، وأن فيها شعباً يسكنها منذُ آلاف السنين.

مؤتمر "بازل" ونشاطات "وايزمان"
في صيف عام 1897 شارك "نوردو وبيرنباوم" تحت رئاسة هيرتزل في المؤتمر الصهيوني الأول في بازل السويسرية، والذي تبنى برنامج تأسيس وطن معترف به للشعب اليهودي في فلسطين. وفي عام 1907 توجه إلى فلسطين لأول مرة " حاييم وايزمن " عالم الكيمياء البريطاني، وعضو الحركة الصهيونية العالمية، ليؤسس شركة تطوير أراضي فلسطين في يافا بدعم من عائلة "روتشيلد" بهدف شراء الأراضي بتمويل من الصندوق القومي اليهودي.

صهيونيّ يهودي يصل لمنصب وزير بريطاني
في عام 1915 قدمت لمجلس الوزراء البريطاني مذكرة سرية بعنوان مستقبل فلسطين، كتبها أول صهيونيّ يهودي يصل لمنصب وزير بريطاني هيربرت صموئيل، جاء في الوثيقة:
"الوقت الحاضر ليس مناسبا لإنشاء دوله يهودية مستقله لذا يجب ان توضع فلسطين بعد الحرب تحت السيطرة البريطانية لتعطي تسهيلات للمنظمات اليهودية لشراء الأراضي وإقامة المستعمرات وتنظيم الهجرة وعلينا أن نزرع بين المحمديين ثلاثة إلى أربعة ملايين يهودي أوروبي."

في عام 1915 قدمت لمجلس الوزراء البريطاني مذكرة سرية بعنوان مستقبل فلسطين، كتبها أول صهيونيّ يهودي يصل لمنصب وزير بريطاني هيربرت صموئيل

تم الأخذ بتوصية صموئيل في الاتفاقية السرية التي جمعت بريطانيا وفرنسا لتقسيم سوريا الكبرى، عرفت الاتفاقية باسم مهندسيها البريطاني مارك سايكس والفرنسي جورج بيكو، وضعت اتفاقية سايكس بيكو فلسطين تحت سيادة مشتركة للحلفاء لإعدادها للدولة اليهودية.

(1917) الوعد المشؤوم
بعد عام واحد وتحديداً 2نوفمبر1917 وافق مجلس الوزراء البريطاني، برئاسة  ديفد لويد جورج، على إصدار وعد بريطاني لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، كتب الوعد على صيغة رسالة وزير الخارجية آرثر بلفور إلى اللورد الصهيوني ليونيل ولتر روتشيلد، حيث كان "بلفور" يكتب رسالته باسم الحكومة البريطانية.

وعلينا أن نعي جيدا مماسبق أن وعد بلفور لم يأتي كقفزة في الهواء، أو كهدية عابرة من قبل مسؤول أوروبي لطائفة معينة، بل أتى نتيجة عمل ماكر امتد على نحو 120عام استخدم فيها يهود أوروبا مختلف أساليب المكر السياسي والاقتصادي لتحقيق حلمهم على حساب الفلسطينيين أصحاب الحق والأرض.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

شرعت مؤسسة شبابية فلسطينية بإطلاق حملة كبيرة لجمع مليون توقيع لرفع دعوى قضائية ضد الحكومة البريطانية لمطالبتها بتعويض الشعب الفلسطيني عن وعد بلفور. ورافق الحملة التي بدأت بجامعات الضفة الغربية إطلاق موقع إلكتروني عالمي لاستقبال التواقيع عليه.

أصدر وزير الخارجبة البريطاني جيمس آرثر بلفور عام 1917 وعدا تعهدت فيه بريطانيا بإنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين. وبعد مرور تسعين عاما لا تزال للوعد أهميته لأنه تسبب في تشريد ملايين الفلسطينيين. واعتاد الكتاب العرب عند مرور ذكرى الوعد مطالبة بريطانيا بالاعتذار.

يرى الكاتب المصري عبد العال الباقوري في كتابه الذي أعده مركز البحوث العربية والأفريقية وصدر عن مكتبة مدبولي بالقاهرة تحت عنوان "الحصاد المر للساداتية" أن دعم الولايات المتحدة الأميركية في عهد الرئيس الحالي جورج بوش لإسرائيل أكثر خطورة وتأثيرا من وعد بلفور الشهير عام 1917.

الأكثر قراءة