حسام تمام.. من أجل سيرة لا تنقطع

في 26 أكتوبر الماضي وقبل نحو أسبوع من الآن انتقل إلى رحمة الله تعالى، أستاذنا حسام تمام (1972-2011) بعد صراع طويل مع المرض، انتصر تَمام فيه بجولات عدة عليه، قبل أن يأتي الأجل ليضع نهاية حياة إنسان نبيل وكاتب وباحث عصامي امتلك ناصية القلم.

وإذ مرت الذكرى الخامسة هذه الأيام لوفاة الرجل، فإنني أجدني مدفوعا لكتابة هذا المقال الذي تأخر عمره 5 أعوام، لكن عذري هو رغبتي أن أكتب عنه بما يليق وفي منبر واسع الانتشار كشبكة الجزيرة، في ذكرى رحليه، فمثله لا يمكن نعيه أو تذكر مناقبه على هامش كتاباتنا اليومية في مواقع التواصل الاجتماعي، لاسيما أني تعلمت منه عبر مخالطته في بعض الوقت، وتعلمت منه عبر أعماله في كثير من الوقت، هذا فضلا عن العرفان والجميل الذي أحفظه أنا وغيري نتيجة مساعدته أو فتحه آفاق للعمل لي ولكثير من الشباب غيري.

حسام تَمام لم يكن فقط مساندا لغيره في مجال عمله، ومشجعا ما بعده من أجيال على المضي قدما على طريق سار فيه، بل كان نبيلا أيضا وهو في فراش مرضه.

لم يكن تمام باحثا موهوبا فقط، وقادرا على استقراء كثير من ظواهر الحركات الإسلامية والتيارات الإسلامية في العالم، وهو التخصص الذي برع فيه، بل كان إنسان نبيلا يسعى للعب دور اجتماعي في محيطه الخاص، كما كان يفعل وهو يشتبك مع قضايا الاجتماع الديني.

فكثيرا ما ساعد الرجل وهو في قمة مجده البحثي والصحفي باحثين شباب كُثر في طريقهم عبر محاورتهم وتواضعه معهم وإنصاته إلى هم وإرشاده، فضلا عن المساعدات العملية المباشرة، ولعل جزء من عرفاني بالجميل للرجل يعود لهذين الأمرين تحديدا، فلم أتصل بالرجل مرة وأنا أخطو في بدايات حياتي العملية إلا وكان يجيب متى سنحت ظروفه بهذا، وأذكر حين استقبلني في مكتبه بالدقي، حيث الموقع القديم لإسلام أونلاين، في يناير 2007 ليناقشني وينصحني رغم فارق المستوى العملي والمهني حينها، وهو الأمر الذي تكرر كثيرا، حتى أتاح لي عبر ترشيحه اسمي لجريدة الأخبار اللبنانية خلال الثورة المصرية لأكون مراسلا لهم من الإسكندرية وهي الفرصة العملية التي كان لها أثرا كبيرا في حياتي المهنية والعملية، ومثلت نقلة نوعية لي وكان هذا بمبادرة منه.

لكن تمر الشهور ويدخل الرجل في صراع مع المرض، لكنه يظل صامدا ويفاجأني بإتصال يطلب مني مقابلته في منزله بمدينة 6 أكتوبر، ليرشحني للمساهمة في مشروع بحثي عن سلفية الإسكندرية، كان سببا للتعرف عن قرب عن اثنين من ألمع الباحثين في هذا المجال، هما الصديقان الباحثان استيفان لاكروا وأحمد زغلول شلاطة، وكلاهما باحثان متميزان في مجال التيارات الإسلامية وحركاتها، وهو الأمر الذي فتح أمامي آفاق أخرى في العمل وكان مصدر ثقة كبيرة لي، إلا أنه وافته المنية بعد شهور من تكليفي ببعض المهام الميدانية في هذا المشروع.

 
لكن تَمام لم يكن فقط مساندا لغيره في مجال عمله، ومشجعا ما بعده من أجيال على المضي قدما على طريق سار فيه، بل كان نبيلا أيضا وهو في فراش مرضه وهو يفكر في غيره من الشباب ليساعدهم بشكل ذكي يمس وتر الحاجات الملحة لديهم، ففي شهر يونيو عام 2011 وبينما أنا أزوره في منزله بمنطقة الشيخ زايد جاءه اتصال هاتفي من شخص يبدو أنه يساعده في البحث عن مشترٍ لشقة يمكلها، فما كان من تَمام إلا أن طلب منه أن يبحث عن شاب يكون على مشارف الزواج ويبحث عن سكن لزواجه هذا على أن يخفض له في السعر.

في ظاهر الأمر أن الرجل على فراش المرض، ويقوم بعمل خيري كحال كثيرين حينما يمرون بهكذا أزمات، إلا أن تدقيق تَمام في اختيار نوع الخير الذي يرغب في تقديمه كان ملفتا في نظري، فالرجل لم يكن يريد أن يؤدي عملاً خيرياً بشكل ارتجالي يشعر فيه بالزهو أو أنه أدى ما عليه كتزكية عن صحته.

بل كان له هدف نبيل من وراء مبادرته، فبينما على فراش مرض لعين يقاومه ببسالة، ويبيع جزء مما يملك ربما لتكاليف علاج المرض، إذا به يفكر في تأسيس حياة جديدة وليدة لشاب في المجهول لا يعرفه، محققا بذلك جملة من الرسائل النبيلة، أولها أنه ممن ينتصرون لإدراة الحياة، وثانيها إدراكه لأزمة اجتماعية طاحنة بالشباب لا تقل في تأثيراتها على أزمات المرض والجوع، وهي أزمة الزواج، مدخلا بشكل غير مباشر السرور على قلب أحد غيره لا تربطه به صلة.

حسام تمّام وهو ينقد الحركة الإسلامية وينصحها ويوجهها، سواء اتفقت مع آرائه ونتائج بحثه أم رفضتها، لا يمكنك إلا أن تحترم في الرجل استقلاله عن الأنظمة المصرية.

كان تمام ممن يضع المجتمع قبل الدولة وقبل التنظيمات، وكانت فكرة "الاجتماع" وعلومه حاضره في ذهنه دائما، حتى أن المرض لم يمنعه من المشاركة في أيام ثورة يناير حتى يكون شاهدا على أجمل أيام حياتنا.

ويظهر اهتمام تمام بأمر الاجتماع في دراسته المتنوعة عن تحولات الحركات الإسلامية ورموزها وتجاربها، إلا أن أكثر الدراسات لفتاً للإنتباه هي دراسة "ترييف الإخوان" التي يربط فيها بين مجتمع الإخوان التقليدي وتحليل بيئة الريف وقيمها التي أتى منها كثير من القيادات الإخوانية وتأثيرات هذه على تلك، وما إلى ذلك في هذا الشأن، يضاف إلى ذلك إيمانه المبدئي بأهمية التميز بين الديني والسياسي والفصل بين الدعوي والسياسي أو الحزبي، وهي الرؤية التي تتحقق الآن ويتبناها أُناس كثير ما رفضوها من الرجل ولم تكن محنتهم كتلك الأيام.

لكن تمام وهو ينقد الحركة الإسلامية وينصحها ويوجهها، سواء اتفقت مع كافة آرائه ونتائج بحثه أم رفضتها أو وجدت بعضها متحاملا، لا يمكنك إلا أن تحترم في الرجل استقلاله عن الأنظمة المصرية، وتميزه عن الباحثين الأمنيين ممن بنوا مجدهم عبر تبنيهم أوراق الأجهزة الأمنية أو السير في ركاب السلطة.

فحالة الاستغناء الموجودة عند تمام وعزة نفسه، جعلته عصامي في صعوده كباحث، غير منافق لحزب أو جماعة أو نظام، ومن ثم تطمئن لما يكتب بأنه نابع من إيمانه الشخصي بما يراه صحيحا، وهو الأمر الأهم عند تعاطيك مع أي باحث، بغض النظر اتفاقك واختلافك معه، وهو أمر ليس باليسير في ملف شائك كالاجتماع الديني والحركات الإسلامية.

رحم الله تمام، راجيا أن أكون حققت هدفي بحفظ سيرة الرجل وتجديدها، بما يليق به، وأن أكون سببا في أن يعرفه أجيال جديدة لتقرأ له وتنقل عنه، فلا تنقطع سيرته الحسنة عنا.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

ثبّتت الثورة المصرية أقدامها بالميادين 18يوما جسدا بلا رأس حتى خلعت رأس النظام في11 فبراير/شباط 2011 أعقبه انتخاب مرسي رئيسا، أما الثورة المضادة فاستمرت بالبحث عن رأس تعود به للسلطة.

أثارت تصفية قوات الأمن المصرية القياديين بجماعة الإخوان المسلمين محمد كمال وياسر شحاتة ردود فعل غاضبة داخل الجماعة، التي قرأت فيه رسائل داخلية وخارجية، مؤكدة أنها ستواصل الثورة على الانقلاب.

الأكثر قراءة