العالم المنسي

البادية، العالم القروي أو الأرياف.. كلها مسميات لفضاء جغرافي واحد، حيث الحياة مختلفة تماما عن ما نعرفه نحن سكان المدن، وحيث نمط العيش مبني أساسا على الزراعة وتربية المواشي، بعيدا عن نمط الحياة الحديثة المنتشر في الحواضر والذي حول المجتمعات المدنية إلى مجتمعات استهلاكية بالدرجة الأولى وما تبع ذلك من انعكاسات على الحياة الاجتماعية داخلها.

وكما أن البادية ظلت بعيدة عن مشاكل المدينة، تلك المشاكل المصطنعة -في كثير منها- والتي تولدت مع التحول الكبير في طبيعة المجتمعات المدنية منذ بداية القرن الماضي على وجه الخصوص، فإن المدينة ظلت كذلك بعيدة عن المشاكل والهموم والانتظارات المشروعة للبادية وأهلها رغم أنها تظل الضامن الأساسي للمدن فيما يتعلق بأمنها الغذائي.

وهكذا فإن البادية في عالمنا العربي ظلت لسنوات بعيدة جدا عن مظاهر التنمية البشرية، وهو ما يظهر مثلا على مستوى تهالك البنية التحتية الأساسية تارة وانعدامها بشكل كامل تارة أخرى، فهذا العالم المنسي أو كما يسميه البعض "الجزء غير النافع من الوطن" لا يصلح في نظر الكثير من المسؤولين في عالمنا العربي إلا أن يكون منفى، وهو ما يفسر أن الكثير من "المغضوب عليهم" في الإدارات والمصالح الحكومية يتم تعينهم في المناطق النائية، وهو ما يفسر كذلك أن الكثير من الموظفين الحكوميين مستعدون لفعل أي شيء كي لا يتم تعينهم في إحدى هذه البوادي.

حان الوقت لتقوم حكوماتنا العربية بتفعيل مخططات تنموية خاصة بالبوادي، تفعل العنصر البشري وتجعل من هذه المناطق المنسية رافعة لتنمية اجتماعية حقيقية.

ورغم أن البوادي تظل كما أشرنا الضامن الأساسي للأمن الغذائي للمدن بل وللدول بشكل عام، على اعتبار أنها موطن جميع الزراعات الأساسية، بالإضافة إلى الموارد الحيوانية فإنها تظل تعيش على هامش التنمية في جميع المجالات، إن على مستوى البنية التحتية -كما ذكرنا سابقا- أو كذلك على مستوى باقي انتظارات ساكنتها التي تتلخص في الصحة والتعليم والدعم الحكومي للمزارعين ومربي المواشي.

وتزداد متاعب البادية وأهلها مع توالي سنوات الجفاف الصعبة التي تؤثر بشكل ملموس على المحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية -من دون نسيان بعض الأمراض التي قد تصيب الإثنين- وبالتالي تزيد من حدة الأزمات المالية الخانقة للمزارعين، وتتضاعف مشاكلهم أكثر فأكثر في غياب سياسات واضحة في هذا المجال في الكثير من دولنا العربية من أجل مساندة المزارعين وتقديم الدعم لهم، وهو الأمر الذي يدفع بالكثيرين من أهل البوادي عموما إلى الهجرة نحو المدن خصوصا الضواحي، مع ما يترتب على ذلك من مشاكل اجتماعية حقيقية.

يحدث هذا في الوقت الذي تحصل فيه المدن على حصة الأسد من الاهتمام الحكومة على جميع المستويات، خصوصا على المستوى التنموي وتتركز فيها البنيات المهمة، كما أن الاهتمام الإعلامي يكاد لا يقارن بما هو عليه الحال في قضية البوادي والتي تكاد تغيب عن التغطيات الصحفية.

إن الوقت قد حان لتقوم حكوماتنا العربية بتفعيل مخططات تنموية مندمجة خاصة بالبوادي، تضع العنصر البشري في صلب هذه المخططات، وتجعل من هذه المناطق المنسية رافعة لتنمية اجتماعية حقيقية تضمن تحقيق نمو اقتصادي شامل تستفيد منه كل الأطراف في الوطن الواحد.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

تقدمت البشمركة في سهل نينوى وهي تواصل تطويق قرى بمحور بعشيقة قرب الموصل، بينما يعاني أهالي بعض القرى من الحصار والمعارك، مع محاولات الجيش تنظيف القرى التي استعادها من الألغام.

أظهر شريط للفيديو نشره ناشطون معاناة أهالي القرى المحيطة بالموصل الفارين من المعارك الطاحنة، حيث يحفر هؤلاء النازحون إلى الحدود السورية العراقية حفرا أشبه بالقبور ليعيشوا فيها.

الأكثر قراءة