الاختلاط المفترى عليه (2)

ليس الحديث هنا لمن أراد أن يفعل كما قال ابن عمر "إذا يتخذنه دغلا" أي مدخلاً للفساد وطريقاً له، فأولئك لا حاجة لهم بما نقول ليستمرئوه، وكذلك ليس لمن أغلق عقله على بعض ما تلقاه من فتاوى وآراء دون غيرها فالاختلاف بحد ذاته سعة.

أما الحديث مع من أراد أن يلتمس سنن النبي صلى الله عليه وسلم في الحياة خاصة من أصبحوا بحاجة فعلية إلى إعادة تحرير عقولهم من موروث الضعيف والموضوع الذي تسلل إلى كثير من تربيتنا على مدار العقود الماضية، وهذه بعض أمثلة على ذلك، "علموا فتياتكم النور والمغزل"، ربما ظاهره جيد ولكن بدايته "لا تعلموا النساء الكتابة"، وحديث النبي عليه السلام عندما سأل فاطمة رضي الله عنها أي الأمور خير للمرأة فأجابت ألا ترى الرجال ولا يراها الرجال، فالأول موضوع والأخير ضعيف لا يستند عليه أمام المئات من الأحاديث التي تثبت رؤية الرجال النساء والعكس والمشاركة الإيجابية الفاعلة في الحياة الاجتماعية والسياسية والدينية وغيرها في مجتمع النبي صلى الله عليه وسلم، وأثر تلك الأحاديث بالطبع معروف في جعل النفس تتشكك في خروجها ودخولها و "اختلاطها" بالرجال أو النساء.

 

الله خلق الحياة ثنائية لا فردية، لا يقوم بها الذكر وحده بل تقوم بجانبه الأنثى، في مختلف مجالات الحياة التي ترغبها دون أن يتعارض ذلك مع الضوابط العامة التي وضعها الله تعالى.

كيف نبني إذا المرأة القوية الفاضلة التي تحدث عنها الغزالي في كتابه "قلت في نفسي إذا رزق الضلال نسوة ينصرنه بهذه الحمية ويتبنين قضاياه بهذه القوة، فلم يُحرَمُ الإيمان نشاطا نسائيا معارضا له واقفا ضده؟".
 

كيف وفينا من العلماء "فتاواهم منتشرة عبر الانترنت" من يجعل الاختلاط محرما إذا لم تتوفر شروطه وأحداها "وجود النساء في مكان ذو ساتر يعزلهن عن الرجال"، فإن اتفقنا معه في وجوب عدم التلامس والالتزام بالزي الشرعي وضوابط اللقاء الأخرى، فكيف نفهم وجود ساتر وإلا أصبح الأمر محرما؟ يستدل أولئك بأحاديث منها ما ورد في سنن أبو داوود أن النبي خرج بعد الصلاة يوما فازدحم النساء والرجال في الطريق فقال للنساء "استأخرن فما كان لكن أن تحققن الطريق"، ولكن ما لم يقله أولئك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمنع النساء من الحضور للمسجد ولم يجعل بينهم وبين الرجال ساترا فيه بل لعلنا نقرأ في حديث رواه البخاري عن أسماء بنت أبي بكر أنها كانت في خطبة للنبي عليه السلام فضج الناس، قالت "فلما سكت ضجيجهم قلت لرجل قريب مني أي بارك الله فيك ماذا قال رسول الله في آخر كلامه".
 

إذا ما نطلبه هو ما قاله الدكتور عبد الحليم أبو شقة في الجزء الأول من كتابه تحرير المرأة في عصر الرسالة "موضوع تعليم المرأة وعملها ونشاطها الاجتماعي والسياسي للمرأة كلها موضوعات لها جوهر أقره النبي الكريم"، لكنها كما يقول قد تختلف صور التطبيق بناء على تغير العديد من العوامل الطبيعية في المجتمعات، فلم يعد المسجد هو محضن اللقاء الوحيد للعلم والسياسة والاجتماع والاقتصاد وغيره، وهذا يحتاج إلى "هدف أكبر يستدعي تحرير العقل المسلم المعاصر، الذي لا سبيل غيره إلى التحرير الكامل والأصيل للمرأة والرجل، بل هو السبيل إلى إعادة بناء المجتمع كله على أساس صحيح متين".
 

فالله خلق الحياة ثنائية لا فردية، لا يقوم بها الذكر وحده بل تقوم بجانبه الأنثى، في مختلف مجالات الحياة التي ترغبها دون أن يتعارض ذلك مع الضوابط العامة التي وضعها الله تعالى لنظم الميل الفطري في كل من الجنسين للآخر، فلا هو شيء غريب ولا فتنة مختلفة عن فتنة حب الأبناء والمال وفي ذلك تميل النساء والرجال إليها ولكن وضع الإسلام ضوابط ومحددات وتفهم كون الشهوات وفتنتها شيء فطري في ذات الإنسان وطبعه.
 

وهكذا كانت نظرة الإسلام للمرأة كما يقول الشيخ راشد الغنوشي في كتابه المرأة بين القرآن وواقع المسلمين" مع كل ما حصل من تطورات على هذا الصعيد فإن رصيد التقليد والجمود والمحافظة وسد الذرائع والتحذير من مشاركة المرأة وتغليب جانب الحذر وتوقع الفساد والفتنة منها، أي تغليب فكرة المرأة الجسد الفتان على فكرة المرأة الإنسان، المرأة شقيقة الرجل في الخلافة عن الله تعالى ورسوله وعن الأمة، "المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر".
 

وها هي أم سلمة رضي الله عنها كما ورد في صحيح مسلم، تسمع نداء النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد "يا أيها الناس" فتطلب من ماشطتها أن تدعها فتقول لها "إنما يدعو الرجال ولم يدع النساء، فأجابتها أم سلمة "أنا من الناس"؛ وفي حديث عدة فاطمة بنت قيس المشهور عندما سألت النبي عليه السلام أين تعتد فأجابها بداية أن تعتد في بيت "أم شريك" ثم قال لها تلك امرأة يغشاها أصحابي، وسأقف من الحديث عند أم شريك فقد كانت كما يقول الشراح امرأة ذات علم ومال تصنع الطعام لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويقصدونها لبعض أمورهم.
 

وما ورد في الصحيحين عن مشاركة النساء أكبر من أن يستدل بنصوصه هنا فكن يشاركن في الجهاد في "غير ضرورة كما علل بعض العلماء ذلك" بل تطوعا ورغبة منها في زيادة الأجر، بل كان لأمية بنت قيس الغفارية دور في خيبر جعلت النبي يقلدها قلادة فكانت تعلقها على صدرها وأوصت بدفنها معها.
 

وكانت النساء تحضر مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاتي العشاء والفجر وصلوات الكسوف والاستسقاء وغيرها مما ليس واجباً عليها حضوره، بل ورد اعتكاف بعض النساء في المسجد في رمضان، وما ورد عن تولية عمر بن الخطاب "الشفاء" حسبة السوق، وما فيها من حديث ونقاش وحساب للرجال وغيرهم.
 

نحن إذا قد وقعنا في كثير من مجتمعاتنا كما يقول الدكتور عبد الحليم أبو شقة "بين جمود القرن الرابع عشر الهجري وبين الانفتاح والتحرر الغربي في القرن العشرين"، وهنا ليست دعوة للتحلل كما يراها البعض، ولكنها أدعى لأن تعمل النفوس المسلمة على بصيرة ووعي من دينها وفق مساحة من الحلال والمباح بضوابطه التي يسرها الشرع ولم يجعلها عنتا ومشقة على الناس.
 

وجه المرأة ليس بعورة فأصبح النقاد فريقان، أحدهما يرى أنه عورة، والآخر يحتج بفساد الزمان على رغبته في عدم إشاعة ذلك الرأي سدا للذريعة.

أما ما يقوله البعض من سلامة مجتمع الصحابة وما ساد مجتمعاتنا من الفتن يقول أبو شقة في الجزء الثالث من كتابه "كان مجتمع الصحابة على فضله وخيريته فيه قوي الإيمان وضعيفه، المؤلفة قلوبهم، البدو والأعراب الذين أسلموا ولم يؤمنوا، الشباب الغر وغيرهم، المنافقين، ومن فيه شعبة من النفاق، وكل أولئك يؤم المسجد ويحضر موسم الحج".

لذا فإننا نتحدث عن اللقاء والمشاركة الهادفة، المنضبطة بآداب الشرع وضوابطه في منع الخلوة، والتزام الزي الساتر، وأختم بما علق به أبو شقة على ما ورد من نقد واعتراض ذكره البعض على كتاب الشيخ الألباني "حجاب المرأة المسلمة"، ذكر فيه أن وجه المرأة ليس بعورة فأصبح النقاد فريقان، أحدهما يرى أنه عورة، والآخر يحتج بفساد الزمان على رغبته في عدم إشاعة ذلك الرأي سدا للذريعة، فرد بقوله "الحكم الشرعي الثابت في الكتاب والسنة لا يجوز كتمانه وطيه عن الناس بعلة فساد الزمان أو غيره لعموم الأدلة القاضية بتحريم كتم العلم".



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة