اضربني كما ضربتك!

جاء رجل يشكو إلى عمر، رضي الله عنه، وهو مشغول فقال له "أَتَتْركون الخليفة حين يكون فارغاً حتى إذا شُغِل بأمر المسلمين أتيتموه؟!" وضربه بالدرّة، فانصرف الرجل حزيناً، فتذكّر عمر أنه ظلمه، فدعا به وأعطاه الدرّة، وقال له: "اضربني كما ضربتُك" فأبى الرجل وقال "تركت حقي لله ولك"، فقال عمر: "إما أن تتركه لله فقط، وإما أن تأخذ حقّك" فقال الرجل "تركته لله".
 

فانصرف عمر إلى منزله فصلّى ركعتين، ثم جلس يقول لنفسه: "يا ابن الخطاب كنتَ وضيعاً فرفعك الله، وضالاً فهداك الله، وضعيفاً فأعزّك الله، وجعلك خليفةً، فأتى رجلٌ يستعين بك على دفع الظلم فظلمتَه؟! ما تقول لربّك غداً إذا أتيتَه؟!" وظلّ يحاسب نفسَه حتى أشفق الناس عليه.
 

اضربني كما ضربتك.. شعار لا يقدر عليه إلا من كان فيه قوة كقوة عمر- رضي الله عنه- وفعل لا يقوى عليه إلا من ملك زمام نفسه، وقادها بما تستحق.

اضربني كما ضربتك.. قد لا تشعر بأهميتها أو حتى خطورتها، لكن إن وضعت نفسك في مقام من يقولها، تجد أنها في غاية الصعوبة والخطورة، لا تطيقها النفوس، بل وتاباها وترفضها، لأنها في الحقيقة نفوس لم تتلق حظها من التربية، ولا نصيبها من الإيمان.
 

اضربني كما ضربتك.. تعاقب نفسك، حين تتجاوز حدودها، فتعترف بخطئك، ثم ترضى بعقوبتها، بل تحدد لها أنت العقوبة الرادعة، الزاجرة، مقام رفيع لا يحط فيه إلا من ارتقت نفسه، وعظمت في ميادين الكبار، وتجلت روحه في فضائل الأخلاق، وسمت في سماء أخرى غير سماء الدنيا.
 

اضربني كما ضربتك.. اليوم قبل غد.. نعم، اليوم قبل غد.. ومن يقوى على ضرب غد؟! من يستطيع أداء الحقوق يوم غد؟! إلا من جهل يوم غد، وما أكثر الذين يؤجلون أداء حقوق اليوم إلى غد، هؤلاء في الحقيقة ما أدركوا حقيقة يوم غد، ولا عظمة يوم غد، ولا رهبة يوم غد، ولا شدة يوم غد، حين يقول أحدهم" ليوم الله يعين الله".. ويحه ثم ويحه.. أما علم أنه يوم لا تخفى فيه خافية.. ولا تضيع فيه مثقال الذرة.. وأنه يوم تسعر فيه النار.. وتتدنى فيه الشمس.. وينصب الميزان.. والصراط!
 

اضربني كما ضربتك.. ابحث عن أصحاب الحقوق، وأدها إليهم، واطلب إليهم بشأنها حلاً، إنها حقوق كثيرة متنوعة، وغير محصورة بضرب أو شتم، فأكثرها في أيامنا حقوق معنوية من حصائد ألسنتنا التي أطلقنا لها عنان الخوض بأعراض الناس بلمز أو غمز، بغيبة أو نميمة، بوشاية أو دس، بشهادة أو افتراء…الخ.
 

اضربني كما ضربتك.. شعار لا يقدر عليه إلا من كان فيه قوة كقوة عمر- رضي الله عنه- وفعل لا يقوى عليه إلا من ملك زمام نفسه، وقادها بما تستحق، أما من ملكته نفسه وقادته، فإنه يرى نفسه أكبر من أداء الحقوق، أو من الاعتراف بأخطائه، أو من تقديم اعتذاره، أو طلب المسامحة من الآخرين، وما أكثر الذين يخطئون ثم يقول أحدهم" أنا أعتذر.. ولمن؟ لفلان، الله أكبر، أنا فلان صاحب المواقف، أو المناصب، أو المخطوب وده.. أنا".. يا له من جاهل مغرور، قد تضخمت في نفسه الـ "أنا"، فما عاد يقر معروفاً، أو ينكر منكراً.
 

اضربني كما ضربتك.. شعار الذين يذكرون ما كانوا عليه من الجوع قبل أن تنتفخ "كروشهم" من الشبع، وما كانوا عليه من القلة والفاقة، قبل أن تتضخم أرصدتهم، وما كانوا عليه من الضعف والوضاعة، قبل القوة والجاه، وما كانوا عليه من الضلال والانحراف قبل الإيمان والهداية.
 

اضربني كما ضربتك.. ميزان العدل والحق.. ما أجمل الحياة في ظلاله!
حين يرفعه الحاكم والمحكوم، ويعمل على أساسه الجميع، بلا أدنى شك سيسود العدل والخير..
ولا أقل أيها السائرون إلى الله من أن يرفع بينكم.. حتى تستوي الصفوف، وتستقيم الأمور، ويحسن المسير، وتسمو الأرواح، وتطمئن النفوس.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قال رئيس الوزراء الصربي ألكسندر فوسيتش إنه لا يعتقد أنه كان هدفا لمحاولة اغتيال اليوم الأحد، وذلك بعد العثور على مخزن أسلحة بالطريق الذي عادة ما يمر به موكبه.

توجت السلوفاكية دومينيكا تشيبولكوفا المصنفة سابعة بلقب بطولة الماسترز للاعبات الثماني الأوليات في العالم بكرة المضرب البالغة قيمة جوائزها سبعة ملايين دولار، وذلك بفوزها اليوم الأحد في المباراة النهائية على الألمانية أنجيليك كيربر المصنفة الأولى 6-3 و6-4 في سنغافورة.

الأكثر قراءة