إلى الشام

عندما نعشق المكان ورائحته الجورية تنشأ بيننا وبينه علاقة ودّية جميلة، نرى أقدامنا تقودنا إليه في كل مرة نقرر فيها الخروج، لا نشعر بالدفء إلا في صحبته، ولا ينتابنا إحساس الأمان والسلام إلا في حضرته، كمن يدمن مكتبة معينة أو مطعم أو حديقة أو حتى بلداً.
 

هذا تماماً ما كنتُ أشعره في كل مرة تطلب منا والدتي أن ننام باكراً ونستيقظ في قمة نشاطنا وحيويتنا لنصلّي الفجر وننطلق في رحلة مدتها 24 ساعة إلى الشام الحبيبة، هذه المدينة التي تستقطبنا بسحرها وبهائها وروعة أهلها وحسن استضافتهم لنا، يلاقوننا بالبسمة ويودعوننا بكلمات نبيلة تزرعُ في أنفسنا الحنين للعودة في أقرب وقت.

مدينة لا تستطيع الانسلاخ عنها، ستبقى مفتوناً بها في كل زيارةٍ لها، لن يرقد لك جفنٌ وأنت على أرضها، ستبقى تتجول في شوارعها بكل شغفٍ ولهفة، لن تشبع منها، كلما منحتك شيئاً طلبت منها شيئاً أكبر، ستكتب عنها وتكتب عنك، ستظل عمرك كله مشدوهاً بروعتها، مأسوراً بأعمدتها التاريخية، المدينة التي لا تهدأ ولا تنام، لا يملّ سكانها من السهر والصخب، هي مدينة الحياة بلا منازع، والذي لم يزرها حتى الآن خسر الكثير. وضاعت من بين يديه واحدة من أجمل بقاع الدنيا.
 

أول وجهةٍ هي الجامع الأموي التاريخي الذي يعبق بحضارة الماضي، لا يوجد ما هو أشد روعة من الحمام الذي يتمشى بكبرياء في ساحة الجامع.

كانت الحدود الأردنية السورية تعجُّ بأعداد هائلة من المركبات، كل مركبة عائلية فيها ما لا يقل عن أربعة أفراد في قمة سعادتهم ونشوتهم أنهم ذاهبون في رحلة أسبوعية إلى سوريا، والبعض كان يسافر أيضاً يومياً إليها، فالجميع متشوقٌ للصلاة في الجامع الأموي صلاة الجمعة والتسوّق في سوق الحميدية والتلذذ بـ "بوظة بكداش " الدمشقية المشهورة التي صنعت اسماً وتاريخاً مميزاً لها في دمشق القديمة منذ عام 1895.

تلك الطقوس كانت معروفة جداً عندنا في الأردن، كنت أسمع عن مجموعة شباب يذهبون مثلاً لتناول العشاء في الشام والسهر والاستمتاع بأجواء المدينة الساحرة والعودة خلال ساعات إلى الديار، أو عن تجّار كثر يهرعون إلى الأسواق السورية ويعودون إلينا محملين بأجود الصناعات العريقة، ومن يمشي في الأسواق الأردنية ستقع بين يديه ملايين الأشياء التي كُتب عليها: صُنع في سوريا، والتي تعطيك فكرة صحيحة عن هذه المدينة المستقلة اقتصادياً بكوادرها وعمالتها المعطاءة.
 

فمن المعروف عن السوري عشقه للعمل وتفانيه لتحصيل الرزق حتى ولو كان في الصين، سهولة التنقل والتيسير الذي كنا نقابله عند الحدود جعل السفر والترحال إلى الشام أمراً في غاية المتعة والجمال، فكان أسهل قرار تتخذه الأسرة الأردنية هو الاستجمام في الشام الحبيبة ولو ليوم وحد فقط.

آخر زيارة قمت بها أنا وعائلتي كانت في شهر شباط عام 2010، استيقظنا باكراً جداً وانطلقنا بسيارتنا الخاصة يوم الجمعة، لم يخطر في بالنا وقتها أنها ستكون الزيارة الأخيرة للشام الحبيبة! فنحن لا نتوقع المصائب أبداً ولا نعلم ماذا سيحدث في الغد نعيش اللحظة كما هي غير آبهين بما سيحصل لاحقاً.
 

أول وجهةٍ لنا هي الجامع الأموي التاريخي الذي يعبق بحضارة الماضي وأصالته، لا يوجد ما هو أشد روعة من الحمام الذي يتمشى بكبرياء في ساحة الجامع الرئيسية، الاكتظاظ الكبير لجموع المصلين يمنح شعوراً بالسكينة والطمأنينة والراحة، صوت الإمام الشجي وعذوبة تلاوته للقرآن تأخذ الإنسان من نفسه ليجد روحه تترك الأرض وتحلّق بمخيلتها إلى السماء ويصبح العبد فينا جسده منغمساً تماماً في العبادات رافعاً يديه داعياً رب الأكوان خاشعاً باكياً مستشعراً حلاوة الإيمان ولذة الاستغفار.

قد تكون هذه الروحانيات العظيمة مألوفة عند الكثيرون في أي مسجدٍ في العالم يصلون به، لكنني صدقاً أحببتُ صداها وتركت أثراً عظيماً في نفسي فقط في الجامع الأموي.. وتتفرد بها الشام.

بعدما كنا نفرغ من الصلاة والعبادة، نمشي بين محلات سوق الحميدية القديمة، وصفه الباحثون بأنه درة الأسواق وأجملها، وهو مغطى بالكامل بسقف حديدي مليء بالثقوب الصغيرة التي تنفذ منها أشعة الشمس أثناء النهار، ومبلّط بحجر " البازلت الأسود" ويعد ملتقى الزائرين والسياح من كافة بقاع الدنيا، بُني في عهد السلطان عبد الحميد الأول عام 1780 وأخذ اسم الحميدية من أيام ذلك السلطان العثماني، في كل زاوية من هذا السوق تشتم رائحة القدامى الذين مروا من هناك، عبق التاريخ الذي يعانق كل حجر وكل عامود يمنحك شوقاً لهذه المدينة حتى وأنت تسكنها، في كل مرة تزور بها الشام سترى قلبك وفكرك وعقلك يتعلق بها أكثر فأكثر.
 

سلبتنا المعركة الطاحنة القائمة على أرضها حتى هذه اللحظة أغلى ما نملك، أخذت منا مرتعاً لمتنفسنا وسفراتنا وسعادتنا، حربٌ لم ترحم لا الكبير والا الصغير.

جودة الملبوسات التي كنا نشتريها، وإتقان المأكولات التي كنا نلتهمها، تجعلنا مسحورين تماماً لا نقوى على مفارقة شوارعها وأسواقها وأحيائها الشعبية، أصوات طرق بوظة مكداش تتعالى في السوق على أروع وتيرة، فلا يمكن أن تمشي في سوق الحميدية ولا تعرّج على بكداش لتستمتع عنده بما لذَّ وطاب من البوظة المغطاة بالفستق الحلبي والتي هي عبارة عن نسيج مرن مصنوع من المستكة والسحلب، وهي مشهورة في جميع أنحاء العالم وأصبحت منطقة جذب سياحي شهير في دمشق.

كنا نذهب لتناول وجبة الغداء في مطعم عين الفيجة، بجلساته العائلية الهادئة في الهواء الطلق بين الأشجار والازهار وينبوع ماء من حولنا كأننا في جنةٍ خضراء ساحرة، لا يوجد مطعم يشبه الآخر في الشام، كلٌّ تميّز ببصمة وهندسة معمارية مختلفة، لكن ما تتشابه به كل تلك المطاعم المأكولات السورية الشهية كالكبُّة والتبولة والفتوش وغيرها من الأصناف المشهورة في كافة بلدان وطننا العربي ومطاعمه.

بعد قضاء يومٍ من التاريخ في ربوع المدينة القديمة نعود إلى "إربد" محافظة الشمال الأردنية ونحن نتطلع بشوقٍ لنعود لزيارة الشام من جديد، لكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه، تجري الرياح بما لا تشتهي السفن! كشرت الحرب في سورية عن أنيابها، أزهقت الأرواح، سلبت البلد الراحة والعافية والسلام، تشرد شعبها، فما عادت تستقبل الزوّار المشتاقين، ولا السياح الجائعين لحضارتها وتاريخها العريق.

سلبتنا المعركة الطاحنة القائمة على أرضها حتى هذه اللحظة أغلى ما نملك، أخذت منا مرتعاً لمتنفسنا وسفراتنا وسعادتنا، حربٌ لم ترحم لا الكبير والا الصغير، من كان يعلم أننا لن نزور الشام منذ ذلك الوقت؟ من تنبأ بهذه الكارثة التي عصفت في لبنة أساسية من لبنات وطننا العربي؟ من كان يتوقع أن يعاني الشعب السوري من مرارة و وقسوة الحرب كما عان قبله العراق وعانت فلسطين؟

لازال الحنين يأخذني إلى الشام، لا زلت أتذكر كل أزقتها ومعالمها الجميلة، في إجازتي الماضية إلى الأردن، وفي الطريق ما بين عمّان وإربد، تستقبلك عندما تقترب من "الرمثا" لافتة كبيرة على الطريق كُتب عليها: سورية.

في كل مرة أعبر فيها وأرى هذه اللافتة تنهمر دموعي شوقاً إليها، أدندن القصيدة الدمشقية لنزار قباني والتي غنتها أصالة كتترٍ لمسلسل نزار الذي عُرض عام 2005:

هذي دمشقُ وهذي الكأس والراحُ 
إني أحب وبعض الحب ذبّاحُ
أنا الدمشقي لو شرحتم جسدي
لسال منه عناقيدٌ وتفاح…

من يدري متى تعود الشام.. ومتى سنعود إلى زيارتها.. انصرها يا رب وارزقنا الفرحة بعودتها..



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

اتفقت جبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقا) مع حركة أحرار الشام في سوريا على إنهاء الخلاف بينهما، بحيث يتوقف القتال ويفرج عن كافة المحتجزين ويندمج فصيل جند الأقصى بالجبهة.

الأكثر قراءة