من يتحمل مسؤولية نكباتنا؟

blogs - كارثة طبيعية في مصر
إنَّ أسهل توصيف لأي مشكلة تواجه عالمنا العربي اليوم: سواء فقر، أو مجاعة، أو حُروب، أو غلاء، أو تَسَلُّط الظلمة، أو حتى تأخُر مَطَر، هي أن نقول: ذلك بما كسبت أيديكم. الرد الجاهز دائماً هو: عقوبة من الله، غضب من الله، رسالة من الله؟ مع أن كلام الله واضح وضوح الشمس:
(كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا).

ولا خلاف بين المفسرين في أن المقصود في الآية هو عطاء الله في الدنيا؛ فالله يعطي الدنيا للمؤمن والكافر والعاصي والجاحد على السواء، كيف لا وهي دار عمل لا دار حساب. وليس معنى ذلك أننا نُنكِر أنَّ الله تعالى يُوقع بعض العقوبات على بعض أهل الدنيا للتَذكِرة أو لنصرة مظلوم أو لردع ظالم، ولكنَّ الإهلاك العام والأخذ الشديد في كٌُل القصص التي نقلها لنا القرآن الكريم كانت بوجود نبي، واستنفاذ كُل وسائل الإصلاح، ووجود تحدي واضح وصريح لقدرة الإله وعظمته.

كثير من الكوارث الاجتماعية يمكن تجنبها أو تقليل عواقبها بامتلاك أدوات العلم والمعرفة والتطور.

فقوم نوح مثلاً لم يغرقهم الله تعالى إلا بعدَ أن مكث سيدنا نوح عليه السلام 950 عاما وهو يدعوهم، واستنفذ كل وسائل الدعوة معهم (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا)، ( ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا)، (ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا)، ( فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَارًا).
تخيل، 950 عاما حتى جاء الاهلاك؟

وكذلك قوم صالح، أعطاهم الله ناقة هي آية من آياته وأمرهم أن لا يمسوها بسوء وهددهم بالعذاب الشديد إذا خالفوا ذلك الأمر، فلما تحدّوا الله وخالفوا أمره وقتلوا الناقة تَوَجَبَ عذابهم. إذن فالمتتبع لحالات الإهلاك التي وردت في القران الكريم يجد أنها تندرج تحت المعجزات أكثر مما هي مجرد عقوبات، حتى إنه تعالى لامَ سيدنا يونس وألبَثََهُ في بطن الحوت ما شاء الله له أن يلبَث لأنه استعجل هداية قومة ولم يصبر على معاصيهم وغادرهم دون إذن الله. ولم يذكر لنا القرآن إهلاك الله لقوم مُخَلِّطين لمجرد أن تَفَشَت فيهم بعض المعاصي.

ومع إيماننا الكامل بأنَّ كُل ما يحدث في السماوات والأرض لا يحدث إلا بعلم الله وإذنه ومشيئته، وأنه تعالى الوحيد القادر على فعل ما يشاء متى شاء، وأمره بين الكاف والنون، لكننا نُؤمن أيضاً أنه تعالى قد خلق لنا الدنيا دار عمل واختبار وأعطانا فيها حرية التصرف والاختيار، وأن كثيرا من الحوادث الطبيعية أو الكوارث الاجتماعية يمكن تجنبها أو تقليل عواقبها بامتلاك أدوات العلم والمعرفة والتطور أو امتلاك قيم العدل والمساواة وحُسن التصور.

وحتى لو سَلَّمنا أنَّ الكوارث الطبيعية من زلازل وبراكين وفيضانات وغيره هي عقوبات محضة من الله تعالى، فما بال الفقر والظلم والاستبداد وإضاعة موارد البلاد والتفريط بحقوق العباد، نعزوه إلى نفس البند (عقوبات إلهية)، وهل الله تعالى هو الذي حظر على المسلمين التطور والتقدم وامتلاك أدوات العلم الحديث والنهضة السوية؟ أم هي الطغمة الحاكمة المستبدة بشعوبها في أكثر بلاد المسلمين هي من يمنعهم من ذلك؟ ولكنه استسهال التوصيف، أو هو (قولبةْ الاحداث بما يخدم مصالح بعض الناس).

دخل التتار بغداد وعاثوا فيها فساداً دون مقاومة تذكر، بينما استطاع الجيش المصري أن يوقف زحف التتار ويكسر جيشهم ويحطم أسطورتهم في عين جالوت؟

عندما يسقط بناء من الأبنية هل نلوم المهندس والمقاول اللَّذين أشرفا على هذا البناء ولم يراعيا شروط المتانة والسلامة فيه، أم نلوم السكان ( قاطني هذا البناء)؟ إذن لماذا عندما تتردى أحوال الأوطان إلى أسفل سافلين بسبب سياسات أولي الأمر الرعناء في تلك البلاد نتركهم ونتجه لنلوم الشعب والعامة المغلوبين على أمرهم ونحملهم سبب ذلك الفشل وما ترتب عليه من نتائج؟ – كحال من عضَّه حِمار فأراد أن ينتقم ، فعَضَّ البردعة-.

لقد وصف نبينا صلى الله عليه وسلم حال عامة الناس في الحديث الصحيح فقال: (الناس كإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة) أي أن الناس بغالبيتهم تَبَعٌ لمن يقود ويوجه فإذا وجههم للخير والفلاح فلحوا وإذا وجههم للسقوط سقطوا.

(إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن). لقد فهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه معنى مسؤولية الحاكم عن كل مناحي حياة الرعية وما يصيبهم، حتى الدواب، فقال قولته المشهورة (لو عثرت بغلة في العراق لخشيت أن يسألني الله عنها لِمَ لَمْ أُمهد لها الطريق)؟

كان الناس في عهد عبد الملك بن مروان يتنافسون في بناء القصور وتملك الأراضي ووسائل الرفاهية، ثم بعدها بأعوام وفي عهد عمر بن عبد العزيز صاروا يتنافسون في حلقات العلم وقيام الليل وصلاة الجماعة، لذلك قيل (الناس على دين ملوكهم). 

عندما غزا التتار العالم الإسلامي لم يكن حال الناس في مصر يختلف كثيرا عن حالهم في العراق، ولا حتى حال حكام مصر كان أفضل من حال حكام العراق، ففي الوقت الذي كان الخليفة في العراق منكباً على شهواته وملذاته، غافلا عن خطر التتر الذي يقترب منه رويدا رويدا، كذلك كان المماليك في مصر يتصارعون فيما بينهم ويقتل بعضهم بعضا على أتفه الأسباب، وكانوا يقتسمون قوت الشعب ويتوسعون في الأملاك على حساب فقر وحاجة الناس.

إن كنتم ممن يخاف الحكام ويؤثر السلامة، فأقلّها كفوا ألسنتكم عن دهماء الناس ولا تحملوهم وزر جُبنكم عن الصدح بكلمة الحق في وجه سلطان جائر.

فكيف إذن دخل التتار بغداد وعاثوا فيها فساداً دون مقاومة تذكر، بينما استطاع الجيش المصري أن يوقف زحف التتار ويكسر جيشهم ويحطم أسطورتهم في عين جالوت؟ السبب هو أن وزير الخليفة في بغداد (ابن العلقمي) كان عميلا متواطئا مع العدو وكان الخليفة ينفذ كل أوامره ومشوراته، فبث في الناس روح الهزيمة وهيأ لها الأجواء فسقطت بغداد، أما مصر فقد هيأ الله لهم رجلا من المماليك اسمه (قطز) كان عادلا حازماً عارفاً لله، استطاع في أقل من عام أن يصلح ما أفسد الأمراء من قبله ويجمع كلمة المسلمين ويقف في وجه التتار ويردعهم!

في كل مجتمع وفي كل أمة، بذرة الصلاح موجودة وبذرة الفساد موجودة، والراعي هو من يختار أيهما يسقي لتنمو وتزدهر، فإذا وُجِدَ الراعي الصالح ازدهرت بذرة الصلاح وغطت على الفساد الموجود، وإذا وجد الراعي الفاسد نمت بذرة الفساد وطغت على الصلاح ودفنته، كما قال العز بن عبد السلام رحمه الله (إنما فساد الرعية بفساد ملوكها، وفساد الملوك بفساد علماء السوء).

فيا من اعتليتم منابر رسول الله صلى الله عليه وسلم لتوسعوا الشعوب والعامة قذعاً ونقداً ووعيدا، بالله عليكم تلطفوا بعباد الله قليلاً ووجهوا سهامكم إلى وجهتها الحقة حيث أهل التأثير وأصحاب صناعة التغيير من أولي أمر ومتنفذين (إن كنت شهماً فاتبع رأسها الذنبا)، وإن كنتم ممن يخاف الحكام ويؤثر السلامة، فأقلّها كفوا ألسنتكم عن دهماء الناس ولا تحملوهم وزر جُبنكم عن الصدح بكلمة الحق في وجه سلطان جائر؟!