فلادياتور القرية

البئر جاف، والرياح عاتية تثير الأتربة، والحبل يتأرجح مثل حبل المشنقة الذي ينتظر رقبة ثائر، فيحرك الحديدة لتصدر أصواتا تشبه صوت عربات المناجم عند احتكاكها بالسكة. هكذا يكون شعور من يكاد ينفجر إبداعا ولم يجد عينا تقرأ، ولا أذن تنصت. وهكذا يكون قلبه متصحرا خاليا من الحياة.
 

تبدأ الحكاية عندما تكون بيئة العيش متواضعة، أو صعبة بعض الشيء. لا شيء ألاحظه غير الخصاصة والمعاناة، لا أصدقاء أعاشرهم غير أصدقاء السوء، ولا كلام أسمعه غير الكلام الحاث عن الحذر والتراجع، ولا صوت يصدر غير صوت موالات أم كلثوم المختلط ببقبقة الشيشة وضحك البؤساء. قلوب الناس ماتت لكن أجهزة التنفس عندهم لا تزال تعمل، فينعمون بالوقت المطلق، ويسخرون من السخرية نفسها.
 

حال القرية لم يتغير منذ الاستقلال، فكانوا ينامون على صوت القنابل، ويستيقظون على خرير محركات الشاحنات العسكرية التي تلتهم المسالك الوعرة، وكانوا يعملون بأراضيهم كأجراء، ويدفنون الميت دون جنازة. حتى أشرقت شمس العمر دون سابق إعلام، وغادر ما تبقى من المجاهدين سفح الجبل، وقتل الخونة وطردوا، وانتحرت الحاملات من جنود الاستعمار. وقفوا جميعا، عجائز وصغار وبنات وأطفال وشباب وفلاحين ومجاهدين، ترقبوا الطريق من بعيد، لعل الأمل سيطل برأسه أخيرا، ولعل الدولة ستأتي بمعداتها وتحل محل الفراغ، لكن لا شيء غير اللاشيء.
 

الذين تركتهم سينتفضون ضدك، وسيتهمونك بالخيانة الموصوفة، وستتعرض إلى وابل من الأدعية والإشاعات، لكنهم نسوا أنك بإبداعك قد حصنت نفسك بدرع سميك، تفوق قوته قوة عقولهم المتصلبة.

لم يتغير شيء إلا أنهم صاروا يستيقظون على أصوات الديكة عوض الشاحنات، وصاروا مالكين عوض أجراء، وأصبحت الجنائز تشيع جماعة، ذلك كل ما تغير. لقد أصاب التصحر بكل أبعاده، كل مكان هنا. تصحر مالي وتصحر ديني، وتصحر طبيعي وتصحر فكري، فلا ثوب هناك غير العري، ولا ثقافة غير الجهل.
 

ثم تخرج أنت، وتخاطبهم وتخبرهم بأن القوة تكمن فيهم والعزيمة لهم، وتحاول تأجيج نار العمل عندهم، وتخبرهم بضرورة ضرب عمق دائرة الكسل بقوة. وتوصيهم بالكتب خيرا وبالكتابة عناية، لبلوغ أسمى المراتب وأعلى القمم ثم تصمت قليلا. فيسود الهدوء اللامرغوب فيه كل المكان، وينظر الجميع إلى بعضهم البعض وكأنك خاطبتهم بالهيروغليفية، ثم ينفجر صهريج الضحك لديهم، ويتفرقون.

لقد اصطدمت بحاجز منيع، ليس جدارا أو أسلاكا شائكة أو عازل ترابي، أنت اصطدمت بعقول متحجرة لم تشتغل يوما، ولم يعلم أصحابها أنهم خارج التاريخ وخارج الدراسات الأنثروبولوجية. عندها، سينكسر قلبك وستعلم أنك غير قادر على مواجهة كل تلك السلبية لوحدك. ستجر بالتالي أذيال الخيبة وتعود إلى جحرك الوحيد، فتجلس برهة من الزمن يمكن أن تمتد لليلة كاملة، ثم تقرر أن تهاجر الجميع.
 

هناك ضواحي ستستقطبك وتوفر لك ما تريد من مال، شهرة، تأطير.. وتخرج إلى العامة المختلطة والمختلفة عن العامة التي كنت في عمقها، ستستقبل كل ما يصدر عنك، وتحافظ على أشياء وتتلف الأخرى. لكنك ستفتقد الذين تركتهم، وتتمنى لو كانوا أول مستفيد مما تقول، وأول قارئ لما تكتب.
 

الذين تركتهم سينتفضون ضدك، وسيتهمونك بالخيانة الموصوفة، وستتعرض إلى وابل من الأدعية والإشاعات، لكنهم نسوا أنك بإبداعك قد حصنت نفسك بدرع سميك، تفوق قوته قوة عقولهم المتصلبة. أنت ڨلادياتور القرية.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

تتأرجح رواية "شجرة الزقوم" للكاتب التونسي سعيد الساري بين مرارة الحياة وغواية الموت ليعالج جدلية الجهل والمعرفة وثنائية الحكمة والخطيئة والجسد والروح وعلاقة الأنا بالآخر بأسلوب جذاب يمزج الواقعية بالخيال.

افتُتحت مدرسة مستشفى المطلع في مدينة القدس في سابقة هي الأولى من نوعها في العالم العربي، لبث الأمل وتقوية إرادة الأطفال في مواجهة المرض، وتمكينهم من متابعة دراستهم دون انقطاع.

أما وقد أصبح ترامب رئيسا، والأمر الواقع واقعا، فكيف سيبني العرب إستراتيجياتهم وسياساتهم معه؟ هناك جملة قضايا يجب وضعها بين يدي أصحاب القرار العربي وهم يواجهون ترامب رئيسا.

الأكثر قراءة