التيه السوري.. رحلة البحث عن الوطن(2)

جاءت انطلاقة الثورة السورية في آذار/مارس في العام 2011 لتمنح "الحلم السوري" الرامي إلى بناء القواعد الراسخة للوطن السوري جرعة أمل واقعية لم يتح للسوريين منذ استقلالهم فرصة حقيقية كهذه الفرصة.

 

الثورة فاجأت نظام الأسد بانتشارها الواسع السريع وعمقها وتنوع أطياف السوريين المشاركة فيها، كما فاجأت المعارضة التقليدية التي عاشت طيلة عقود حياة سرية غير منتجة شعبياً، وتلقت ضربات قاسمة متكررة كان آخرها بعد سنوات قليلة من وصول بشار الأسد إلى السلطة ليرث نظام حكم شمولي استبدادي، تعهد بتغييره على صعيد الحريات العامة والتنمية والعدالة الاجتماعية، لكنه سرعان ما انقلب على وعوده، ووجه ضربات قوية إلى قوى المعارضة التي بدت ضعيفة هزيلة على صعيد بنيتها التنظيمية وبرامجها لمواجهة نظام يختصر الدولة السورية بمؤسساته الأمنية ذات السطوة المطلقة على الحياة العامة وإدارة البلاد.
 

فرطت القوى الثورية المسلحة في مسؤولياتها التي تصدت لها، وساهمت في زيادة أعباء الحاضنة الاجتماعية.

لم تلتقط قوى المعارضة التقليدية خصوصية اللحظة الدولية الراهنة واستعداد الشعب السوري للتضحية من أجل أحلامه، مدفوعاً بما حققته ثورتا تونس ومصر من إنجازات سريعة أطاحت برأسي نظاميهما، لتظهر أولى ملامح تفريط المعارضة بمسؤوليتها في قيادة الحراك الشعبي بترددها في إعلان برنامج عمل للثورة، وهو ما دفع القوى الشبابية الثورية إلى التصدي لهذه المسؤولية التي كانت بحق أكبر من قدراتهم وخبراتهم وتجاربهم في مجال قيادة العمل العام.
 

ورغم مرور شهور طويلة من عمر الثورة السورية وتزايد زخمها ورسوخها شعبياً كان "التيه السوري" جلياً، حيث فرطت المعارضة بمكاسب الشهور الأولى للثورة، وتخفى قادتها طمعاً أو خوفاً وراء مقولات الإصلاح، ودعوات لا طائل منها للنظام لتغيير نفسه، رغم إدراكها التام أنه نظام عاجز عن إصلاح نفسه، وأن أي خطوة إصلاحية يتبعها ستقوده حتماً للتفكك والانهيار، وهو ما كان يدركه قادة نظام الأسد وعملوا على مقاومته بكل الوسائل التي يعرفونها، وهي وسائل عنيفة بالضرورة.
 

وتحت الضغط الشعبي الداخلي والدولي أيضاً انتظمت قوى المعارضة والثورة في تحالفات كانت أقرب ما تكون لحفلات بروتوكولية، فالمجلس الوطني السوري ومن بعده الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، كانا نتاج عمليات تجميع مشوهة تقوم على تجميع مجموعة مصالح أو أطماع أو طموحات لأفراد أو جماعات مختلفة دون النظر جدياً في تماسكها وتوافقاتها من حيث الأهداف والسبل والمصلحة المشتركة، وهو ما أدى إلى التفريط في الغاية من هذا التجميع، وهي المصلحة العليا المشتركة للسوريين كافة، أي المشروع الوطني السوري الذي كان يجب العمل على إنتاجه في مواجهة مشروع نظام الأسد القائم على هدف واحد واضح، هزيمة الثورة وترسيخ النظام القائم بمنظومات أمنه وجيشه وإداراته الفاسدة.
 

في تشكيلات المعارضة وخاصة الائتلاف الوطني، ظهرت خلافات عميقة ومنافسة شديدة لم تكن في معظم الحالات ناتجة عن صراع خيارات سياسية أو برامج عمل سياسي أو ثوري، ولا نتيجة تباينات في الرؤى الوطنية لمستقبل الوطن السوري وطموحات شعبه، وإنما كانت تقودها دوافع السيطرة على العمل السياسي والثوري، أولاً وقبل كل شيء.

الكتل السياسية التي أفرزتها مرحلة قيادة العمل السياسي في الثورة جاءت متشابهة من حيث مرجعاتها الأيديولوجية، إسلامية في معظمها، تبني مشاريعها للوطن على وهم "الدولة الإسلامية" لا مشروع الوطن السوري، فيما بدت الكتل السياسية التي تدور في فلك التيار الديمقراطي أو القومي مهمشة ضعيفة وبلا رؤية خاصة للثورة ولمستقبل سوريا، ما جعلها كلها كتلاً بلا تأثير جدي فاعل، تعيش الانقسامات والصراعات ذات الطابع الشخصي، وتكرس في ممارساتها شعوراً لدى الشعب الثائر بانتهازيتها، التي ظهرت في تعالي بعض قياداتها على خطاب الشارع الثائر.
 

فيما كان بعض القادة انتهازيين من نوع مختلف، من خلال خطاب شعوبي أقرب ما يكون للسذاجة والطوباوية، يدفع بعضهم إلى ذلك رغبته في الحصول على حضور شعبي ولو ببيع الأوهام لشعب يواجه أعتى محاولات قتله وتهجيره واقتلاعه وتحطيم أحلامه، وكسر إرادته، حتى صار شعاره الأثير والمفجع: "ما لنا غيرك يا الله".
 

وحتى لا نبدو كمن يتصيد الثغرات فقط، نشير إلى أهم ما أنجزته المعارضة السورية على صعيد بناء رؤاها للمستقبل وتصوراتها للواقع خلال الثورة السورية، ففي القاهرة، في تموز /يوليو 2012، خطت قوى المعارضة أبرز خطواتها وأكثرها جدية على طريق تحقيق "الحلم السوري" حيث توافقت على وثيقتين مهمتين هما: وثيقة الرؤية السياسية للمرحلة الانتقالية، ووثيقة العهد الوطني التي تضع الأسس الدستورية لسورية المستقبل، وهي العدالة والديمقراطية والتعددية.
 

الوثيقتان وضعتا اللبنات الأولى لتصورات السوريين عن "وطنهم" الديمقراطي التعددي، لكن جرى الانقلاب عليهما لاحقاً، في ميثاق تأسيس الائتلاف الوطني أولاً، وفي بيان مؤتمر الرياض، لتذهب طموحات السوريين الثوار أدراج الرياح جراء تمييع ما جرى التوافق عليه في القاهرة، وعدم وضوح موقف المعارضة السورية من تنظيمات مسلحة تتبنى مشاريع غير وطنية، وتثير مخاوف المجتمع الدولي من ارتباطاتها بتنظيمات إرهابية دولية، ما عزز موقف الأسد في تقديم نفسه كمحارب للإرهاب، وهو ادعاء لاقى ويلاقي حتى الآن صدى مسموعاً في المجتمع الدولي.
 

إن أخطر ما نواجه اليوم يتمثل في قبول المجتمع الدولي بأي نوع من الاستقرار، ولو كان ثمنه ذهاب تضحيات السوريين سدى وتعويم نظام الأسد، وإجبار السوريين على القبول بهكذا حل.

ولم تكن قوى الثورة السياسية وحدها العاجزة عن التعامل مع الطروحات الفكرية والسياسية والاستحقاقات الوطنية التي ظهرت خلال سنوات الثورة، فالقوى الثورية المسلحة هي الأخرى فرطت في مسؤولياتها التي تصدت لها، وساهمت في زيادة أعباء الحاضنة الاجتماعية، كما فرطت بمكاسب الثورة بانقساماتها الفكرية والعقدية واختلاف توجهات جهاتها الداعمة، وطموحات قادتها، وصراعاتها الدامية وتحول معظم قادتها إلى أمراء حرب، لا هم لهم إلا استمرار سيطرتهم على مناطق يديرونها بالقوة والعنف إن لم يستطيعوا إدارتها بترهيب حاضنة الثورة الاجتماعية، وصارت معظم هذه القوى العسكرية "الثورية" تحتكم إلى مشاريعها الخاصة "غير الوطنية" في إدارة ما تسيطر عليه من مناطق، متجاوزة كل أحلام السوريين في بناء وطن الحريات لكل أبنائه.
 

إن تفريط المعارضة السياسية بدورها ومسؤوليتها في إدارة المناطق المحررة وترك هذه الدور المهم والخطير للفصائل المسلحة وما تنتجه من "محاكم شرعية"، وغياب المشروع الوطني الجامع، وهو مشروع لا يشبه ابداً ولا بأي حال من الأحوال المشاريع التي تنفذها على الأرض فصائل عسكرية معظم ما تعمل عليه هو تكريس هيمنتها وفرض تصوراتها الخاصة للحكم، بعيداً عن أي توجه وطني سعى السوريون إليه في ثورتهم، كل هذا يجعلنا أمام واقع معقد يظهر الثورة أمام حاضنتها الشعبية كما أمام الرأي العام الدولي بمظهر ضعف وعجز عن انتاج مشروع وطني بديل لمشروع نظام الأسد القائم على فرض الاستقرار بالقهر والإجبار ولو بقوة العنف.
 

إن أخطر ما نواجه اليوم يتمثل في قبول المجتمع الدولي بأي نوع من الاستقرار، ولو كان ثمنه ذهاب تضحيات السوريين سدى وتعويم نظام الأسد، وإجبار السوريين على القبول بهكذا حل، والأخطر من ذلك أن أصواتاً بدأت تخرج من الداخل السوري تصرخ من ألم الحصار والتجويع والتهجير والتدمير والقتل المستمر بلا أهداف محققة بقبول الحل المر، الذي سيعصف بآخر أحلام السوريين بالوطن "الحلم".
 

الثورات لا تموت، لكنها في الواقع السوري قد تحتاج انتفاضة على "ثورة الأوهام والأطماع" بثورة تشبه البدايات، ثورة تخرجنا من "التيه السوري" وتكون بوصلتها واضحة: وطن سوري ديمقراطي تعددي لكل السوريين.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

سجلت مدينة داريّا بريف دمشق حضورا مبكرا وقويا في الثورة السورية ضد نظام بشار الأسد منذ اندلاع الاحتجاجات السلمية في مارس/آذار 2011، وقد دفعت المدينة ضريبة صمودها أمام بطش النظام.

الأكثر قراءة