أكتب حتى يبقى الوطن حاضرًا وطازجًا

كنتُ طفلة صغيرة حين سقطت أدوات الحلاقة من يد أبي، عندما خرج ذلك الصوت من إذاعة الـ بي بي سي! امتزج صوت المذيع الذي أذاع خبرًاً مفاده: اعتقال عمي وهدم بيته والحكم عليه بالسجن عشر سنوات من قبل قوات الاحتلال بصوت ارتطام أدوات الحلاقة على الأرض مع حوقلة أبي وارتباكه ودموعه المتحجرة وكفه المغلفة بالعجز والقهر..
 

صوت هذا الارتطام.. هو الذي شكّل نقطة ارتكاز انطلقتُ منها لعالم الكتابة. كنتُ في الخامسة من عمري عندما حدثت هذه الحادثة. بعدها بقليل، أي في سن العاشرة بدأتُ بالكتابة.. كتبتُ شعرًا ركيكًا وقطعًا نثرية ساذجة.. وعندما صرت في المرحلة الثانوية بدأ أبي يأخذ قصاصتي ويبعث بها إلى جريدة القبس الكويتية. كانت الجريدة تنشر لي كل يوم جمعة، فيأتي أبي بالجريدة مزهوًا، يلتمع نور الفخر في عينيه.. أما أنا فقد بدأتُ أعي أن الكتابة هي خياري وطريقي وإن لم يكن بشكل واضح!
 

عرفت أن الكتابة هي شغفي وولهي.. أكتب حتى أملأ الكون بالأوكسجين.. أكتب حتى أتنفس.. أكتب حتى يبقى الوطن حاضرًاً وطازجًا.. أكتب حتى أُخلّد المقاومة وأجلو الحقيقة

في السابعة عشرة من عمري التحقتُ بالجامعة الأردنية وبدأتُ أكتب في مجلة الطلبة، وقمت بتأليف العديد من المسرحيات التي مُثلث على مسرح الحسن بن طلال، وفزت بالعديد من الجوائز.. قبل ذلك بشهور قليلة، أي عندما نجحت في الثانوية، قمت بشراء كمية كبيرة من الكتب من "النقوط" الذي حصلت عليه بعد نجاحي.. اشتريت بكامل المبلغ (١٨٠) دينارًا كتبًا للرافعي والعقاد وكنفاني وجبران وغادة السمان وجبرا إبراهيم جبرا.. إلخ.
 

بدأت أقرأ وأقرأ.. أقرأ وأرتعب، وأشعر أنني شتلة غضة تحتاج لكثير من السقي والريِّ.. لذلك شعرتُ وأنا في تلك الفترة وما بعدها بأنه لابد من فاصل، ولا يصح أن أواصل قبل أن يستقيم حرفي.. لكنني مع ذلك كنت أكتب وأضع في الدرج! أعتبر ما أكتب مجرد بوح.. أحيانًا ينجو من التمزيق وأخرى يُمزق بلا رأفة.. وكسنبلة أنهكها عبء الحروف وازدحام الذكريات واشتعال الروح بدأت من جديد بالانحناء للقلم..
 

وبعدما وصلت الثلاثين، وأنجبت أطفالي الخمسة، وطاروا من العش، وأضحوا قادرين على التحليق بعيدًاً عني.. استقلتُ من عملي كمعلمة بعد أن أنهكني ذلك النظام العاجز الذي شعرت نفسي فيه كتمثال! أخرجتُ ما كتبتُ سابقًا.. واكتشفتُ أنً روحي معلقة بعرش اللغة وسحرها.. عرفت أن الكتابة هي شغفي وولهي.. أكتب حتى أملأ الكون بالأوكسجين.. أكتب حتى أتنفس.. أكتب حتى يبقى الوطن حاضرًاً وطازجًا.. أكتب حتى أُخلّد المقاومة وأجلو الحقيقة وأبني ذاكرة لأولادي عن وطن لم يعرفوه..
 

أكتب حتى أسقي نبوءة العودة بندى الحروف واليقين.. كثيرًا ما توقفت وقلت كما يقول المثل العامي "وعلى بال مين يلي بترقص بالعتمة" فما جدوى الكتابة في زمن الرصاص وكيف ستواجه كلماتي هذا الرعب! ولكنني كنت أتراجع بمجرد أن أقرأ القرآن الكريم وأقول لنفسي: هذه الكلمات هي من غيّرت وجه الكون! فالكلمة هي التي تقدح شرارة التغيير.. وتتراكم الأحداث.. أبي وحكاياته عن الوطن.. يرسم لنا فلسطين الزيت والزعتر، فلسطين التين والزيتون، يوقد لنا نار الطابون ويُسرج لنا خيل العودة.. ويرسم خطًا فاصلاً بين غفلة المنفى الذي نعيش وصحو الوطن الذي ننتظر.

أستمع إلى أبي ويُخيل إليّ أن أقدامي الهشة قد تحولت إلى أجنحة تربط البراق وتطير في سماء الإسراء.. وأحيانًا تتجذر الأقدام في الأرض قوية وصلبة.. فتدبك في أعراس البلد وتشارك في قطف الزيتون وتغني وتهاهي.
 

تعود حكايا أبي ناضجة وواضحة.. فأنا لم أشهد التهجير القسري ولا النكبة ولا النكسة.. لكنني عشتُ ذلك كله في عيون أبي! أما أمي.. فقد كانت تخيط لنا أثواب العودة، وتنظم قلائد الياسمين للفاتحين.. نتذوق بحروفها الكنافة النابلسية، ونسير بصحبة حكاياتها في حارة الياسمينة.. ونجري وراء الفتى الأشقر الذي حمل رأس اليهودي إلى أمه؛ لترضى عنه أن سار على خطى أبيه.. نعرف بعد ذلك أن الفتى هو ابن أختها!! تأخذنا لبيت جدي ومصنع الصابون.. تحكي لنا عن جدي وهو يركض قبل الفجر ليضع المال للثوار تحت أبوابهم ويفرُّ هاربًا حتى لا يُعرف!
 

 عرفت أن لا شيء يمكنه أن يستوعب الطوفان الذي في صدري إلا سفينة الرواية! تلك السفينة التي تشبه سفينة سيدنا نوح.. تحمل كل ألوان الحياة وأشكالها وتناقضاتها.

وتتراكم الحكايا وتتعلق في جدار الذاكرة كنطفة.. فعلقة.. فمضغة.. ثم لا تلبث ساعة الميلاد أن تحين! أُسرع لأُخرج تلك الرسائل الصفراء المهترئة التي ذابت بعض حروفها واختلطت.. الرسائل التي كان يرسلها أبي لعمي في سجنه. يكتبُ أبي أولاً.. ثم أمي.. ثم يترك لنا نحن الأولاد الخمسة عشرة سطور نصيب كل واحد منا سطران.. ثم ننتظر رسالة عمي بفارغ الصبر ومعها هدايا من نور الأرض: مسابح من نوى الزيتون.. براويز للأقصى.. أساور وسلاسل لنا نحن البنات منظومة بخرز ملون بألوان العلم الفلسطيني.. آخذ الرسائل وما حكاه لي أبي، وما حكته أمي، وأيمم وجهي صوب الرواية..
 

أكتب قليلاً ثم أتعثر!! لم أجرؤ على الاقتراب من الرواية إلا بعدما دخلتُ غزة مع قافلة أميال من الابتسامات! كنت قد كتبت مجموعات قصصية وعشرات القصص للأطفال.. لكنني عرفت أن لا شيء يمكنه أن يستوعب ذلك الطوفان الذي في صدري إلا سفينة الرواية! تلك السفينة التي تشبه سفينة سيدنا نوح.. تحمل كل ألوان الحياة وأشكالها وتناقضاتها.
 

في غزة أخذتُ أركض وراء كل كلمة وشهقة ودمعة وضحكة.. أجمع الحكايا. حكايا البرتقال والبحر والمقاومة والأسرى.. أربطها كحزمة بخيط من نور وشوق، وأُلقيها في عربة الذاكرة لتعود إليّ محملة بروائح الياسمين وزهر الليمون والبرتقال.
 

في غزة شممت رائحة البرتقال الذي حكى عنه أبي.. كانت البرتقالة لامعة مستسلمة لأصابع محبة عاشقة. بقيت أتأمل برتقال غزة طويلاً.. برتقالة تدحرجت من فلسطين ذات يوم.. تلقفها أبي في المنفى.. ثم أمسكتُ بها في غزة! كم تمنيت لو كان أبي معي ليرى ما يشتهي وليسمع رفرفات البرتقال وهي تتوغل بعيدًاً في الربط بين ذاكرتين! رجعتُ إلى عمان وبدأتُ أخط روايتي الأولى والتي تحكي وعلى لسان ثلاثة أبطال يتناوبون السرد حكايا الغربة والمنفى وحكايا الأسر في سجون الاحتلال وزيارتي لغزة.. وهكذا ولدت روايتي الأولى.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

التأم كتاب مغاربة في لقاء للتفكير في علاقتهم بالآباء المؤسسين لتجربة الكتابة الأدبية في مغرب ما بعد الاستقلال. وعكس المشاركون اختلاف اللغة التي يكتبون بها، ورؤيتهم لوضعية الكاتب وسؤال الأجيال.

الملاحظ أن همَّ السينمائي العربي هو السياسة، أي نقد السلطة ومظاهر التخلف الاجتماعي دون التطرق لمشكلات أكثر عمقا تصب في التاريخ، وتتعامل بنظرة فلسفية مع الكثير مما يشغلنا في حياتنا.

بنيامين ألكسندر ذو الاثنين والعشرين عاما، مصاب بالتوحد والصرع، لكن مرضه لم يمنعه من متابعة دراسته والتفوق فيها والتميز في فن الكتابة.

اختتمنا ورشة للتدريب على الكتابة بدعم من مؤسسة الحي الثقافي "كتارا"، شارك فيها عدد من الكتّاب، وحصلنا على 12 نصا مبهرا ستنشر لاحقا في كتاب، وقد تترجم إلى الإنجليزية.

الأكثر قراءة