ظالما لا تكون.. من الدعاء لا تخاف

blogs-سوء معاملةالمرأة

أبو فهمان رجل عنصري بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ فهو يحب نفسه وأولاده ولا يرى في زوجته أم أولاده إلا خادمة ومحل قضاء حاجة ورغبة ليس إلا.

فهو دائما ما يفاخر بأبنائه و يرى فيهم حاملي اسمه وحاميي نسبه من الانقراض، أما زوجته فهي امرأة غريبة باﻹضافة إلى أنها أقل منهم علما وثقافة، فهو رجل متعلم وقد استطاع تأمين جامعات تليق بأولاده، فتخرجوا ورفع رأسه فخرا بهم بين كل الناس. وبينما يخجل أن يجيب السائلين عن سؤالهم:ما شاء الله أولادك كلهم أذكياء أكيد ذكائهم لأمهم، ما الشهادة التي تحملها أكيد دكتورة..

ولا يشفي غله إلا بأن يصحب المتسائل في جلسة شاي ليحكي له أن زوجته معها شهادة محو أمية، ويبالغ في أنه هو من علمهم وأنفق ماء قلبه في طريقهم وأن أهلها جهلة، لم يعطوها حصتها من التعليم الوافية بينما الواقع.

والحقيقة أن زوجته صحيح أنها لا تملك شهادة دراسية، لكن هذا لا يعني أنها جاهلة فعلى العكس، كانت ذات حنكة وذكاء وعبقرية، وفضل ثقافة عائلتها يعود لها حتى زوجها، فهي من كانت تقرأ الكتب وتقص مفادها في السهرات العائلية وتناقش وتنصح، وتدرّس ذاك وتساعد هذا وتسمع للآخر.

الطغاة يصارعون حتى النهاية ليظهروا أنهم على صواب ويتجبرون على الله والله فوقهم وأكبر منهم، ولا يتواضعون ويعترفون بخطئهم وانحرافهم.

وإن صح القول والتعبير فإنها لم تكن إلا أمرأة مضحية، أطمعتهم في نفسها فأكلوا حقها وتجاهلوا قدرها ووجودها، حتى أبسط اﻷشياء حرموها منها، لم ينظروا لمطلبها أو حاجتها الماسة إليها.

دُعيَ أبوفهمان وزوجته وعائلته إلى حفلة تعارف عائلية، وﻷنه كان يشعر بالعار منها لم يوصل لها الدعوة واكتفى باصطحاب أولاده إلى أفخم وأشهر متاجر اﻷلبسة واشترى لهم ولنفسه أفخر الملابس وعاد مساء يقيس البدلات الجديدة مع الحذاء الجلدي.

ويمشى من جانبها جيئة وذهاب وهي تقوم بكي الملابس ليثير غضبها وغيرتها وهو يقول : سيعجب الجميع بي سينظرون لنا نظرة الدهشة والإعجاب سنكون نجوم الحفل، هه، كنت أود اصطحابك يا بهلولة لكن للأسف لم يقوموا بدعوتك، الناس تفكرك خدامة ماذنبي هكذا رباك أهلك، لو لم تكوني جميلة موردة الخدين خضراء العينين لما تزوجتك، المهم المهم اذهبي بسرعة جهزي لي العشاء أنا جائع.

مضت المسكينة والدم يتجمد في أطرافها من البرد فلم يتفطنها بحذاء بلاستيك أو قباب تنتعله في أرض المنزل، وفي ظهيرة اليوم التالي ارتدى وأولاده ملابسهم وتعطروا ومشوا. وبينما كانت تقف حافية على شرفة المنزل تنشر الغسيل؛ نظرت إليه وقالت بقلب محروق: منك لله ترتدي جلد الغزال و تتحزم بجلد أفعى وتنتعل جلد حمار ولا تتذكر هذه المسكينة بصوف كلاب، ألا تتذكرني بقطعة بلاستيك بجراب سميك.

أشار لها بأن تصمت وتدخل، ومضى دون أن يستدير بينما لم يكن من داع لمسح دمعها فقد خالطته قطرات المطر التي بللت وجهها، اتجهت عواطف للقِبلة ورفعت يديها ودعت ربها بقلب محروق وصادف دعائها أذان الظهر.

في الحفلة، كانت الصالة مكيفة لهذا شعر أبو فهمان بالحرارة الزائدة فخلع سترة الجلد باهظة الثمن وكانت الصالة مفروشة بالسجاد اﻹيراني مما اضطره لخلع نعله، في نهاية الحفلة كان الوقت قارب من غروب الشمس والدنيا تمطر بلورات ثلجية أشبه بنداف حلوى "غزل البنات".

بحث هنا وهناك على سترته ولم يجدها ولم يعره أولاده أدنى اهتمام ولم يتنازل أحد عن سترته لوالده، فخرج إلى مدخل القاعة ولم يعثر على حذائه. اعتذر له صاحب الدعوة ﻷنه لم يكن ليحسب حساب أنه سيحدث مثل هذا ولا يوجد حذاء فائض.

وكذالك أولاده لن يتبرعوا بحذاء أحدهم ﻷبيه بل عنّفوه بقولهم: أرأيت لم  تأتي بالسيارة، ولم يشأ أن يأتي راكبا سيارته بسبب أنه أراد أن يجر أزيال الخيلاء متبخترا أمام ناظر الرائح والغادي، وبما أن مكان الدعوة في حي شعبي متطرف عن الطريق العام كان عليه أن يرجع إلى البيت حافي القدمين مهدل الكتفين كالصوص المنتوف ريشه.

كانت زوجته على الشرفة تراقب غروب الشمس حين رأته بهيئته تلك ذهب منتصرا وعاد منهزما، ولم تقدر على كتم ضحكتها فأشاحت وجهها، إذا أنه لم يخجل من أن يسبها ويشتمها وهو يقول كله من دعائك، لو لم تدعين علي لما سرق حذائي و معطفي.

يعرف أنه ظلمها وأنه مخطئ ويريدها ألا تدعو عليه، دعت له سنين عجاف فلما رأت ألا سنين خير منه، دعت الله ليأخذ لها حقها. دخل كالمجنون يبحث عنها ليضربها انتقاما منها وهو يتحلف ويتوعد بدلا من أن يذهب ويقبل رأسها ويعتذر لها، يشعر بتقصيره وظلمه ويعدل عن خطئه.

نعم هؤلاء الطغاة يصارعون حتى النهاية ليظهروا أنهم على صواب ويتجبرون على الله والله فوقهم وأكبر منهم، ولا يتواضعون ويعترفون بخطئهم وانحرافهم، لكن ماذا يخفي لهم الله إذ لم يتعظوا. وكما قالت جدتي "ظالما لا تكون.. من الدعاء لا تخاف"