لا قواعد للسعادة

يقول المثل العربي: قوام السعادة في الفضيلة.
كثيرٌ منا بل وجميعنا يبحث عن السعادة ولا تراني قابلت احداً وجزم لي أنه وجد سعادته الحقيقية أو ارتوى منها، نعيش لاهثين وراء سراب السعادة الضبابي وما وجدها أحد، ولعل المولى تبارك وتعالى في قوله " َقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ" يخبرنا أن لا سبيل إلى السعادة والراحة التامة في هذه الحياة الدنيا هنا دار عمل وألم وكدَ وتعب لا ينال من حسنها كائن ولا يسعد بحالها انسان ولو كان ملكاً ملك مشارق الأرض ومغاربها، فعلام الترحال في أسفار ودروب السعادة الواهمة التي ما مُلَكت لأحد ولا استقامت لبني بشر منَا.

قرأت الكثير من الكتب حول السعادة وتحصيلها بدءاً بـ "فن السعادة" للدالي لاما والفصل الخاص بالسعادة في كتاب "الأخلاق إلى نيقوماخوس" لأرسطو طاليس كبير الفلاسفة اليونان، وقرأت "السعادة الحقيقة" لمارتن سليغمان، وأما الدكتور عائض القرني فقرأت له ثلاث او أربع مؤلفات حول السعادة فهنالك "لا تحزن" و "أسعد امرأة في العالم" و "ثلاثون سببا للسعادة" و "حتى تكون أسعد الناس"..

قرأتها بنهم وفهم ورغبة لتحصيل السعادة وقرأت غيرها فما وجدت لها سبيلا مطلقاً ولا وجهةً نهائية فأقول لنفسي ها هي السعادة أخيراً! ولكن فهمت المعنى وفهمت الغاية فهؤلاء المؤلفون والباحثون على اختلاف مذاهبهم وعقائدهم قد اجمعوا وهم لا يعلمون أن السعادة هي الفضيلة والاستقامة وأنها القناعة والرضى.

استعينوا بالصبر والصلاة، وأقبلوا على الحياة كما هي تجدون معنى السعادة الداخلية فالسعادة رحلةٌ وليست وجهة.

فالسعادة حالة عقلية ونفسية يطورها الشخص بذاته، وأراها حالة فردية فلكل منا سعادته الخاصة وأساليبه الشخصية التي يرسو بها على شاطئ السعادة نسبياً، والله تعالى خصَنا بالسعادة في طاعته ففي عبادة الله قمة اللذة والرضى يقول تعالى "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ" وهذا ما أكده السلف الصالحين فوجدت في تتبع سيرهم وحياتهم أنهم كانوا أسعد من مضى ولم يكن لاحدهم ما يقيم به بدنه في يومه أو ما يكسو به جسده إن زأر البرد ولكنهم ما عرفوا الشقاء يوماً بل فاضت ألسنتهم جياشةً يحمدون الله سعداء وما رأيت لهم من مال وفير ولا ملكٌ غفير ليسعدوا به كما نظن ولكنه التسليم لله والثقة بعطائه.

يقول ابن القيم الجوزي في كتابه مدارج السالكين "في القلب شعث لا يلمَه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته، وصدق معاملته، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار إليه، وفيه نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه، وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته والإنابة إليه ودوام ذكره وصدق الإخلاص له، ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة أبداً"

لا ترتبط السعادة عند العقلاء بماديات الحياة فكم من غني ما دخلت بهجة الحياة إلى قلبه لا بمال ولا ولد وكم من فقير لم تفارقه بسمات السعادة والرضى. والله ما السعادة الا في حلاوة الإيمان بالله وحده ، فها هي الدول الأوروبية والتي يصل الترف والرفاهية لشعوبها أعلى الدرجات؛ تتصدر قائمة الدول في الانتحار بينما يندر هذا في الدول النامية والفقيرة والتي وجد افرادها سلامهم الداخلي وكنزهم الحقيقي في قناعتهم.

قال بعض المحبين "مساكين أهل الدنيا خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها قالوا: وما أطيب ما فيها قال: محبة الله والأنس به والشوق إلى لقائه والإقبال عليه والإعراض عما سواه".

فهم فطنوا إلى سعادتهم قبل فوات الأوان فحققوا سعادة الدارين، فشيخ الإسلام ابن تيمية عذَب وسجن وكان يقول"المحبوس من حُبِس قلبه عن ربه تعالى والمأسور من أسره هواه" حتى في سجنه كان أسعد السعداء ولم يثنيه هذا أن يكون من اجلَ شيوخ الإسلام فتوزن مؤلفاته بالذهب ويقاس علمه بالنفيس وهو الذي كتب اغلب كتبة بين جدران حبسه، حبس الجسد ولكن الروح حرة سعيدة.

أحبتي اعبدوا الله واقنعوا بعطائه، يقول تعالى "نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا" حددوا أهدافكم في الحياة، تجملوا بالقناعة، لا تنظروا للماضي، تعلموا من اخطاء الآخرين ولا تكرروا تجارب الهالكين، اشغلوا أوقاتكم بالعطاء وعطَروا ألسنتكم بذكر الرحمن"وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً"، واستعينوا بالصبر والصلاة، وأقبلوا على الحياة كما هي تجدون معنى السعادة الداخلية فالسعادة رحلةٌ وليست وجهة. أنبتوا في قلوبكم رياحين العبادة والإيمان، اعتزلوا رذائل الأقوال والأفعال، أطلقوا لعنانكم الثقة بالمولى.. تجملوا بالفضيلة تكونوا سعداء.



حول هذه القصة

مؤسسة بسمة أمل أخذت على عاتقها توفير السعادة لمرضى السرطان بقطاع غزة كونهم يعانون ويلات المرض وويلات الحصار، ولذلك نظمت المؤسسة زيارة إلى المسجد الأقصى لـ150 طفلا، يصلون على مجموعات.

يزدحم صعيد عرفة اليوم بالمشاعر، بقدر ما يزدحم بضيوف الرحمن الرافعين أياديهم إلى السماء طلبا للرحمة والمغفرة والعتق من النار، وتظهر على وجوههم السعادة بالوصول إلى هذا الصعيد الطيب.

ورد بتقرير السعادة الرابع الذي تصدره الأمم المتحدة أن أعلى خمس دول في سلم السعادة هذا العام من أوروبا وأغلبها من شمال القارة وهي الدنمارك، سويسرا، أيسلندا، النرويج، وفنلندا.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة