في الشرق الأوسط إذا عارضت الديكتاتور فأنت إرهابي

من حق أي شخص أن يعارض الحكومة والنظام طالما التزم بالمنهج السلمي في معارضته فالمعارضة السلمية هي أحد المكاسب الذي حصل عليها البشر بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ بعد أن قدم تضحيات كثيرة على طول التاريخ، ولكن في هذا الشرق لازال من يحلم أن يعيدنا إلى زمن مسرور السياف الذي يقطع كل من يخالف توجهات الخليفة، وإلى زمن محنة خلق القرآن التي يحكم فيها بالجلد والإعدام لكل من لا يفتي فتاوى تروق الزعيم الملهم.
 

فهناك من يحلم أن يعيدنا إلى الوراء خطوات على أمل فرض ما يراه أفكار تنويرية بالقوة المسلحة، ويتهم كل من يخالفه أنه إرهابي أو متعاطف مع الإرهاب رغم أن الإرهاب لم يكن يوما من الأيام فكراً؛ بل كان ممارسة والإرهابيون لم يصنفوا الكتب ليبرروا ما يفعلونه كما يصنف أشباه المثقفين الموسوعات في تبرير كل تصرفات الحكومات القمعية والترويج للحاكم القوي الفرد الذي تهتف باسمه الجماهير.
 

استغلت أنظمة الشرق الأوسط كلها عربها وعجمها آفة الإرهاب لتثبيت دعائم حكمها وتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

لقد مر على هذا الشرق ثلاثة أجيال من الإرهابيين وفي كل جيل الإرهابيون كانوا بلسم السلطة وتعويذتها السحرية للقمع، فقد كانت قنبلة واحدة لإرهابي مجهول كافية لاعتقال آلاف الأشخاص الأبرياء بموجب قوانين الطوارئ والحكم بالسجن والإعدام للعشرات منهم، وتشهد زنازين تَدْمر وكوبر وأبو غريب وأبو زعبل ومعتقلات الصحراء على عشرات الشباب فقدوا أجمل أيامهم في تلك الأماكن الكريهة بتهم الإرهاب وقلب نظام الحكم بالقوة.

لقد كان الجيل الأول للإرهابيين صناعة استخباراتية قامت به وكالات الاستخبارات العالمية لمكافحة الخطر الشيوعي في أفغانستان، وأن هذا الوحش الذي تم صنعه لمواجهة الشيوعية بعد أن قضى على الشيوعية اتجه ليحارب من صنعه ومول أنشطته ولمّع خطابه في وسائل الإعلام، وأعتقد جازما أن المخابرات العربية كانت سبّاقة في اكتشاف الإرهاب وتقويته ودعمه لمواجهة الخطاب اليساري المتصاعد المنادي بعودة الناصرية والتيارات الإسلامية، التي أصبح لها نواب في البرلمانات والتي أصبحت تهدد شرعية دولة كامب ديفيد ووادي عربة، ولكن هذا إرهاب الثمانينات والتسعينات ذو الطابع القُطري سرعان ما ذبل تحت أحداث جسام مثل انتفاضة الأقصى الأولى والثانية وفقدانه أي حواضن اجتماعية داعمة له، ولأنه كان إرهاب ذو طابع عشوائي ولا يعير أي اهتمام للمدنيين.

أما الجيل الثاني للإرهابيين فهم الجيل الذي عاصر أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م وسياسات بوش الابن رئيس الولايات المتحدة ما بعد هذه الأحداث من احتلال أفغانستان والعراق، وقد تسببت هذه السياسات الحمقاء في عملية شرعنة للإرهاب حيث ظهر لكثير من الناس أن ما يقوم به تنظيم القاعدة في العراق -في ذلك الوقت- هو عمليات مقاومة لاحتلال أجنبي، لكن سرعان ما تبين للناس أن هكذا تنظيمات لا يمكن الاعتماد عليها في المقاومة لأن هذا التنظيم لا يملك سوى الانحطاط، فقد انزلق التنظيم في العراق لمسار طائفي وأصبح يستهدف المدنيين الأبرياء في الحسينات والكنائس مما أفقد الإرهاب أي تعاطف.

ولكن هذا الوضع لم يستمر كثيرا فقد جاءت الممارسة الطائفية لأقطاب العملية السياسية في العراق في أعقاب الانسحاب الأمريكي والتدخل الإيراني في قمع الثورة السورية ليؤسس للجيل الثالث للإرهابيين، وهو جيل داعش وهو الطراز الأكثر إرهابا ودمويا والذي يطمح لا للنكاية فقط في الأنظمة كما كانت القاعدة ولكن للتمكين وإنشاء إمارات وإقامة ما يرونه أحكام للشريعة بل وحتى ضرب عملات نقدية تمهيدا للانسلاخ الكامل من النظام الاقتصادي الدولي الذي تشكل ما بعد مؤتمر بريتون وودز في 1944م .
 

لو رصدنا طريق تعامل الحكومات العربية المعاصرة مع ظاهرة مكافحة الإرهاب؛ فسنجد أنها مرت بعدة مراحل وفي المرحلة الأولى كانت تعمل على توظيف الإرهاب ففتحت له الباب لينتشر تحت عين وسمع وبصر المخابرات، وقامت بتوجيهه لمحاربة الشيوعيين في أفغانستان، والمرحلة الثانية كانت تحجيم الإرهاب حيث أنها عملت على تقليص عدد الإرهابيين لأقل عدد عبر برامج التوبة والمناصحة والمراجعات الفكرية ومحاولة إقناع الإرهابيين أنه لا يمكن تطبيق الأفكار بالقوة، وأن الدعوة تكون بالموعظة الحسنة لا بالسلاح، وكانت هذه آلية مواجهة الجيل الثاني من الجهاديين -الجهاديون ما بعد 11 سبتمبر- وكانت المرحلة الثالثة هي مرحلة إنتاج الإرهاب لشرعنة نظام الحكم وقد شاهدنا هذا الأمر بشكل واضح مع بشار الأسد، الذي اعتبر أن شرعيته مرتبطة أصلا بوجود داعش ورفض مواجهتها، واتجه لمواجهة المعارضة فقط وكلهم قاموا بتقليده فأوجدوا الإرهاب وسمحوا له بالعمل ثم اتجهوا لسحق المعارضة وترك الإرهاب يضرب كما يشاء.

وبشار الأسد ليس استثناءاً فقد استغلت أنظمة الشرق الأوسط كلها عربها وعجمها آفة الإرهاب لتثبيت دعائم حكمها وتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مستغلين أن هذه الدول تتفهم حالة القمع في إطار عملية مكافحة الإرهاب، فاتجهت هذه الدول لتصنيف حركات المعارضة السياسية لحركات إرهابية ومحاولة إيجاد روابط مزعومة بين تلك الحركات مع تنظيم القاعدة وداعش، وذلك من أجل تخويف المجتمع الدولي من تلك الحركات السياسية ليعمل العالم على تجفيف الدعم المالي والسياسي للمعارضة، وليغض الطرف عن الانتهاكات الحقوقية الفظيعة التي تقوم بها تلك السلطات تجاه منسوبي تلك الحركات المعارضة وأنصارها .

صدقوني إن قوائم المنظمات الإرهابية التي تعلنها دول الشرق الأوسط هي بلا قيمة؛ لأنها لا تستند لأي معايير علمية بل إنها لا تستند إلا للحقد السياسي أولا وأخيرا، فإيران مثلا تصر على أن مجاهدي خلق منظمة إرهابية رغم أنها تنتهج العمل السلمي، وبعض دول الخليج ومصر تصر على أن الإخوان منظمة إرهابية رغم أنها جماعة لا تحمل السلاح وتشترك في الانتخابات في أغلب الدول والحكومة المصرية ترى أن حركة حماس منظمة إرهابية وتركيا ترى جماعة فتح الله كولن منظمة إرهابية؛ رغم أن المشهود لهذه الجماعة عدم حمل السلاح، وبشار الأسد ولبنان حزب الله اللذان لا يريان في المعارضة السورية سوى الإرهاب والإرهابيين..
 

استمرار الطغاة في القمع إلى ما نهاية يعني أنهم يريدونها حربا أهلية يقتل فيها الشعب بعضه البعض.

المعارضة ليست إرهاباً يا سادة:
تكمن المشكلة الأساسية في أنهم يسمون محاربتهم للحريات بعمليات الدفاع على الأمن القومي ومكافحة الإرهاب، حيث أنهم لا يرون أن هناك فارق يذكر بين النظام والوطن يعتبرون كل من يعادي الفساد عميلا لجهات دولية لها مخططات لتقسيم الأمة رغم أن هؤلاء المستبدين هم من يقسمون الشعب إلى مواطن شريف يؤيد الحكومة ومواطن خائن يعارضها.

استمراركم في القمع إلى ما نهاية يعني أنكم تريدونها حربا أهلية يقتل فيها الشعب بعضه البعض، فالقمع أصلا دائما هو إعلان من قبل الحكومة للحرب على الشعب وسرعان ما ينتهي هذا الأمر بالطرف الآخر لحمل السلاح للدفاع عن نفسه وبذلك تشتعل الحرب الأهلية المدمرة التي لا تبقي ولا تذر.

ويبدو أن سلوك هؤلاء الطغاة لامس هوى عند ساكن البيت الأبيض الجديد دونالد ترامب، الذي أعلن أنه يرفض دعم حقوق الإنسان في العالم العربي، ويتحسر على أيام القذافي وصدام الذين كانوا أعمدة للاستقرار في المنطقة وهذه التصريحات تناقض الالتزام الأمريكي بدعم حقوق الإنسان، وتناقض الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي وقعت عليه دول العالم وضمن في دساتيرها.
 

أختم هذه التدوينة بمقتطفات من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان:
– لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير. ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.
– لكل فرد الحق في الاشتراك في إدارة الشؤون العامة لبلاده إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون اختيارا حرا.
– لكل شخص الحق في حرية الاشتراك في الجمعيات والجماعات السلمية ولا يجوز إرغام أحد على الانضمام إلى جمعية ما.



حول هذه القصة

أمن الإقليم مرتبط بأمن الموصل، هكذا علل مسعود البارزاني حرص الأكراد على المشاركة الفاعلة بالسيطرة على الموصل، مضيفا أنه “ما دام الإرهابيون بالموصل فلن نتمكن من القول إن كردستان آمنة”.

أصدرت المحكمة الجزائية السعودية المتخصصة حكما ابتدائيا يقضي بسجن مواطن سعودي 15 عاما لتستره على قتل شقيقه أحد رجال الأمن، بالإضافة إلى مشاركته في تمويل أعمال “إرهابية”.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة