جون رولز في ميدان التحرير

تمثل النظريات والفلسفات السياسية على اختلاف منطلقاتها أجوبة ممكنة على سؤال أساسي، وهو كيف يمكن حل الخلافات داخل المجتمع الواحد، أو كيف يمكن إدراك الوحدة الاجتماعية وراء تعددية العناصر المكوّنة للمجتمع وما هو المشترك الذي يمكن أن تجتمع عليه تلك العناصر رغم اختلاف مصالحها وميولها وقناعاتها.

وتمثل نظرية الفيلسوف الأمريكي (جون رولز John Rawls 1921 – 2002) للعدالة، التي طرحها عام 1971، وحظيت بقبول واهتمام واسع، إحدى تلك المحاولات، وهي إسهام في تطوير تصور ليبرالي للعدالة، لا مبالغة إذا وضع على قدر واحد مع إسهامات منظري الليبرالية الكبار من جون لوك مرورا بإيمانويل كانط وليس انتهاء بجون ستيوارت مل.

"معيار التبادلية"، الذي يشرحه ضاهر هو أن تكون الاعتبارات التي يلجأ إليها كل طرف لدعم نشاطه السياسي هي اعتبارات يمكن قبولها من قبل المواطنين الآخرين.

وقد عاد رولز في العام 1993 ليقدم كتابه "الليبرالية السياسية" ليتوّج انتقاله النظري من التفكير في الفلسفي إلى التفكير في السياسي، فإذا كان "نظرية في العدالة" هو عمل نظري فلسفي يؤسس القيم الليبرالية ويحاجج عنها، فإن "الليبرالية السياسية" هو محاولة لطرح الحل الليبرالي في مجتمع تعددي لا يؤمن جميع أطرافه بالضرورة بتلك القيم الليبرالية التي حاجج عنها رولز، وهو ما يشرحه الفيلسوف اللبناني، واسع الاطلاع على الفلسفة الأنجلوساكسونية، عادل ضاهر، في دراسته "الليبرالية السياسية في فلسفة جون رولز" (مجلة ألباب، شتاء 2014).

يقيم رولز نظريته على الفصل المفهومي بين "العقلاني "rational "والمعقول reasonable"، وهو تفريق يستعيره رولز، ككثير من مفاهيمه، من فلسفة كانط للعقل العملي التي تفرق بين الأمر المطلق أو الحكم الأخلاقي المطلق المتعلق بالغايات الذي ينتمي إلى العقل العملي الخالص، والأمر الشرطي أو الاختيار العرضي للوسيلة التي تحقق تلك الغايات، وهو الذي ينتمي بدوره إلى العقل العملي الوسائلي.

ببساطة، يتعلق العقلاني بالخيارات الخاصة، الشخصية أو الفئوية، المتعلقة بالمصالح أو الرؤى والعقائد الشاملة لكل طرف، أما المعقول فيعني، عند رولز، الاستعداد للدخول في علاقات تعاونية مع الآخرين، أو امتلاك حس العدالة بوصفها إنصافا، أو اعترافا بحق الآخرين في الاختيار والتصرف بحرية. وبهذا التمييز ينجح رولز في الفصل بين نظريته في العدالة وبين نظريته في الليبرالية السياسية.

لنأخذ مثلا فكرة كون الأشخاص أحرارًا، كما يوضح ضاهر، وهي المنطلق النظري لليبرالية. إن إعطاء الأسبقية لهذه الفكرة أو لقيمة الحرية الشخصية هو موقف ميتافيزيقي ليبرالي فلسفيا، لكن تأسيسه سياسيا أو عمليا لا يحتاج إلى تبني تلك الفلسفة الليبرالية بالضرورة، فالنفعي بإمكانه تأييد تلك الفكرة أيضا باعتبار أنها تضمن تحقيق السعادة العامة على المدى البعيد، وكذلك يمكن للمتدين أن يؤيدها من منطلق تأويل معقول للدين لا يكره الآخرين على الالتزام به، ويرى أن الإيمان غير ممكن دون حرية الضمير.

إن الليبرالية السياسية وفقا لنظرية رولز الآنفة لا تستلزم أن تتبنى كافة التيارات السياسية المعقولة، أو المشروعة في المجال العام، المنطلقات الليبرالية كخيار عقلاني، وإنما تدعو إلى التزام الجميع في المجال العام "بمعيار التبادلية"، الذي يشرحه ضاهر بأن تكون الاعتبارات التي يلجأ إليها كل طرف لدعم نشاطه السياسي هي اعتبارات يمكن قبولها من قبل المواطنين الآخرين، أي أنها تتحرك في إطار "العقل العام" كما يقول رولز.

لشرح ذلك، يمكن استعارة الحجاج العقلاني الذي يطرحه المفكر الأردني فهمي جدعان في مقالته "المقدس والحرية". فالسخرية والسباب، أو ممارسة "العنف اللفظي" بشكل عام، ضد بعض المقدسات الخاصة بدين ما أو طائفة ما، وهو ما يعد حقا أصيلا إذا ما اعترفنا بحرية الرأي والإبداع، لا يمكن محاججته بأن تلك المقدسات هي مقدسات؛ إن ذلك موقف يتعلق بعقيدة أصحاب هذا الدين أو تلك العقيدة التي تقدس تلك المقدسات.

لكن يمكن محاججته مع ذلك بأن في ذلك اعتداء على مشاعر من يؤمنون بتلك المقدسات الذين تسبب إهانتها بالنسبة لهم جرحا أعمق من توجيه الإهانة إليهم شخصيا. هذا الحجاج من قبل جدعان يمكن أن يتبناه من ينطلق من منظور ديني خاص، إلا أنه حجاج يمكن لمن لا يتبنون منظوره الديني أن يقبلوه، فهو حجاج في إطار العقل العام.

اقتراح رولز الذي يدعوه "منهج التجنب" يحث على البعد سياسيا قدر الإمكان عن الدخول في تناقض مع القيم التي تنتمي إلى مختلف العقائد الشاملة في المجال العام.

هل يمكن أن يخدم استعارة تلك الأفكار عربيا؟
إذا كان المجال العام إذن هو مجال المعقولية لا العقلانية، مجال التبادليات ضمن إطار العقل العام بين التعددية الاجتماعية، فإن الموقف الاستبعادي الذي تبنته قطاعات عريضة من الليبرالية العربية في مناسبات عديدة ضد تيارات مناوئة لها، محملة إياها فشل المشروع الديمقراطي، كونها لا تتبنى ذات المنطلقات الليبرالية لها، هو موقف غير ليبرالي سياسيا، بل هو موقف إقصائي، وهو موقف لم يوجه إلى الإسلاميين وحدهم فحسب كما يتبادر إلى الذهن، بل إلى اليسار والقوميين كذلك.

بل إن اقتراح رولز الذي يدعوه "منهج التجنب" الذي يحث على البعد سياسيا قدر الإمكان عن الدخول في تناقض مع القيم التي تنتمي إلى مختلف العقائد الشاملة في المجال العام، يخالف موقف تلك القطاعات الحاث على الاشتباك الجذري مع العقائد الدينية للجماهير بحجة ضرورة تحقيق ذلك التنوير من أجل مجال عام ديمقراطي ليبرالي، وهو أيضا موقف تسبب في عزلة تلك القطاعات وعجزها سياسيا.

في المقابل، تأتي مطالبة رولز بالتحرك في إطار "العقل العام"، ووفق "معيار التبادلية"، ليفرض على أصحاب الأيديولوجيات الشاملة، كالإسلاميين، أن يلتزموا في حجاجهم السياسي بتبريرات لا تنطلق من اعتباراتهم الخاصة، وإنما من اعتبارات عمومية قدر الإمكان، لتحقيق ما يطلق عليه رولز "الإجماع المتقاطع Overlapping Consensus" لا فرض قيم وغايات لا يمكن أن تكون مشتركة إلا عبر ممارسة الدولة لسياسة قمعية.

لقد تعرضت تلك النظرية إلى كثير من الانتقادات (يمكن الرجوع إليها في دراسة ضاهر، كما في تعليقات هابرماس على الكتاب)، لكن استعارة ذلك الجانب من النظرية قد يكون مفيدا في تطوير موقف ديمقراطي أكثر اتساعا داخل الحركة السياسية العربية في سبيل تجاوز الانسداد في الأفق السياسي العربي.



حول هذه القصة

حذّرت وزارة الخارجية الأميركية من نشر روسيا منظومة صواريخ الدفاع الجوي “إس 400” وصواريخ “إسكندر” البالستية في منطقة كاليننجراد الروسية، معتبرة أن ذلك “يزعزع استقرار الأمن الأوروبي”.

تساءل برنامج “للقصة بقية” عن كيفية صناعة الفن للدكتاتور? وما الدور الذي لعبه الفن لبناء أو هدم المجتمعات العربية؟ وكيف يقبل الفنان أن يكون أداة بيد السلطة السياسية والعسكرية؟

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة