المصالحة المستحيلة

الحديث عن المصالحة من بعض النخب الفلسطينية، تجاوز مثاليات أفلاطون في جمهوريته الفاضلة، كما تجاوز أيضا الخيال الفلسفي المجنح للفيلسوف العربي الفارابي في كتابه "أراء أهل المدينة الفاضلة". باختصار وبكل شفافية : لا أتوقع نجاح مشاورات المصالحة الجارية على محور "أنقرة – الدوحة" بين الرئيس عباس وحركة حماس، رغم دعائنا لها بالتوفيق والفلاح والنجاح وذلك لعدة اعتبارات داخلية فلسطينية وفصائلية وإقليمية ودولية نوجزها في هذه السطور.
 

إن الشروط الموضوعية لنجاح المصالحة غير متوفرة في الوقت الراهن، فالذي لا يستطيع تحمل فاتورة الانتخابات المحلية، لا يستطيع بحال تحمل النتائج المترتبة على تنفيذ وثيقة المصالحة القائمة على الشراكة الحقيقية في مختلف مفاصل النظام السياسي الفلسطيني.

أما حركة فتح فهي "حزب السلطة الحاكم" الذي يستحوذ على مفاصل النظام السياسي الفلسطيني، ويحتكر الوظيفة العمومية المدنية والأمنية، ويهيمن على التمثيل الدبلوماسي والعلاقات الخارجية، والتمثيل الدولي، ذاهبة في الأسابيع القادمة إلى إعادة تجديد الهياكل القيادية في مؤتمرها العام السابع، في ظروف صعبة واستثنائية، ولديها ما يشغلها من الإشكاليات الداخلية التي تمنعها الآن وفي مثل هذه الظروف، من الذهاب بعيدا في مثل خيار المصالحة الاستراتيجي، الذي ينبني عليه التزامات تحتاج لوحدة الصف الداخلي الفتحاوي، ولقرارات مصيرية وجريئة.
 

عند الحديث عن النظام الدولي والإقليمي فإنه غير جاهز للقبول بإدماج حماس والمقاومة الفلسطينية في النظام السياسي الفلسطيني، ما لم يسلك طريق الاعتراف بالدولة العبرية.

هي في هذه الظروف غير جاهزة للإقدام عليها. خاصة إذا قلنا بأن الانتخابات القادمة لن تسمح إسرائيل بإجرائها في القدس، وبذلك تقوض مشروعية وإمكانية إجراء أي انتخابات فلسطينية، تأسيساً على قرار المحكمة العليا الفلسطينية التي أبطلت إجراء الانتخابات المحلية بعذر عدم إجرائها في القدس. وهذا ما دعانا في ذلك الوقت إلى الدعوة إلى عدم تسييس الانتخابات المحلية.
 

من جهة أخرى فإن حركة حماس "المسيطرة على قطاع غزة" مقبلة أيضا على انتخاباتها الداخلية في الأشهر القادمة كما تقول مصادرها الإعلامية، وذلك لاختيار قيادة جديدة وخليفة للأستاذ خالد مشعل، وهذا ما يحول في اعتقادي دون الإقدام على خطوات تحتاج إلى قرارات صعبة. لأن أي قرار في هذا الاتجاه يحتاج إلى إسناد شوري مشروع وممثل.
 

إن المؤشر والسلوك على الأرض في كل من الضفة وغزة لا يوحي بأجواء تصالحيه، فقد تصاعدت حدة الاعتقالات الداخلية في الضفة الغربية سواء بين أبناء حركة فتح أو في المخيمات وضد أنصار الحركة الإسلامية وفصائلها حماس والجهاد. ويأتي هذا أيضا في ظل عدم الاتفاق على برنامج سياسي واحد وموحد بين مختلف أبناء الشعب الفلسطيني حتى الآن، وإن كل ما ورد من بنود حول هذا الموضوع في وثائق المصالحة المتتالية منذ 2005 وحتى الآن، يحتاج إلى حوارات قد لا تنتهي.
 

وعند الحديث عن النظام الدولي والإقليمي فإنه غير جاهز للقبول بإدماج حماس والمقاومة الفلسطينية في النظام السياسي الفلسطيني، ما لم يسلك طريق الاعتراف بالدولة العبرية، وبشروط الرباعية الدولية رغم إقرارها بعدم الممانعة لقيام دولة فلسطينية كاملة السيادة على حدود الرابع من حزيران.
 

لهذه الأسباب ولأسباب أخرى كثيرة نعتقد إن مطلب المصالحة الفلسطينية بات حلماً بعيد المنال، في الظرف الراهن، ما لم تحدث معجزة خارقة.



حول هذه القصة

تتزاحم مواقف الفصائل الفلسطينية بشأن تشكيل حكومة وحدة وطنية، فبينما تقول منظمة التحرير إنها تتشاور مع الفصائل بشأنها، اتهمت حماس المنظمة بوضع العصي بدواليب المصالحة، نافية التشاور معها للمشاركة بالحكومة.

استضاف برنامج “لقاء خاص” رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، خالد مشعل، حيث تحدث عن الموقف من الهبة الشعبية ضد الاحتلال الإسرائيلي في الضفة، والوضع في غزة، و المصالحة الوطنية الفلسطينية.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة