القائد الخيميائي

ربما يذكر العنوان بالرواية الشهيرة والجميلة للبرازيلي باولو كويلو، ولكن للعنوان قصة مثيرة حدثت معي.

 

زرت قبل مدة رجل أعمال في مكتبه، وكان الرجل في منتهى اللطف في استقباله وتعامله كأنني الزائر الوحيد له في هذا اليوم. وأثناء جلوسي عنده تعدد الطارقون على الباب من الموظفين والمتابعين، وأثار فضولي بشكل كبير قدرة الرجل على التعامل مع كثير من القضايا -متعددة المعطيات والنتائج- في نفس الوقت. يدخل عليه أحد الموظفين ليحدثه عن مشكلة لشحنة وصلتهم للتو، فيقترح عليه حلاً لها، ثم يدخل آخر ليحدثه عن تصور لمشروع جديد، فيناقشه معه متناسياً مشكلة الشحنة، ويعطيه قراراً بشأنه. ثم يدخل عليه رجل يعمل في العمل الإنساني، ويناقشه في قضايا وحالات إنسانية هنا وهناك، فيجيبه ويقترح عليه حلولاً، وموظف آخر وآخر، والرجل لا يتكدر أو يتغير حاله، بل يجيب بنفس النبرة والحماسة في كل الأوقات، ويتخذ قرارات شتى في قضايا مختلفة!

 

كل هذا يحدث وأنا جالس أراقب ما يحصل باندهاش. بعدها بأسبوع، وبينما كنت أبحث في السلوك التنظيمي، وقعت عيني على دراسة قيّمة نشرتها شركة "هارفارد بزنس ريفيو" وأعدها كل من البريطاني ديفيد روك، وويليام توربوت، تحدثا فيها عن تطور جديد في القيادة التحويلية Transformational Leaders

 

الباحثان عرضا في الدراسة مجموعة من المعايير التي يمكنها أن تحدد أي نوع من القادة أنت، فقد قسمت الدراسة القادة التحويليين إلى سبعة أقسام، على الترتيب التالي -من الأدنى للأعلى-:

1- الاستغلالي: وهو المستغل لإنجازات تابعيه، وإضافتها إلى إنجازاته دون مراعاة لجهودهم.

2- الدبلوماسي: وهو القائد الذي لا يحب المشاكل، ويرغب بأن تبقى كل الأطراف راضية حتى في النزاعات.

3- الخبير: وهو القائد الذي يستعرض معلوماته وخبراته بغض النظر عن حجم فائدتها في الموقف.

 

لا شك أن أكثر ما يزعجنا في العمل هو تشتيت الذهن، وعدم القدرة على العودة إلى حالة الصفاء الذهني التي نبدأ عادة يومنا بها

4- المنجز: وهو القائد الذي يسعى دائماً للإنجاز وتقديم النتائج، لكنه يفشل في مراعاة المشاعر والعلاقات والقيم أحياناً

5- الفدرالي: وهو القائد الذي يستطيع اكتشاف مواطن الخلل بين الإنجازات والقيم، أي بين أعمال المنظمة وقيمها التي تدعيها.

6- الاستراتيجي: وهو القائد الذي ينظر نظرة استراتيجية إلى المستقبل، بدل الانغماس في اللحظة.

7- الخيميائي: وهو محور حديثنا هنا.

 

وقد أشار الباحثان إلى أن الفدرالي، والاستراتيجي، والخيميائي ينظرون دائماً إلى المستقبل ويعملون على استشرافه، وهم في أعلى سلم القيادة، والقادة المتميزون هم إما خيميائيون أو استراتيجيون على أٌقل التقدير.

 

الخيميائي هو ذلك الرجل الذي حدثتكم عنه في البداية، لديه مهارات عالية، وقدرة متميزة على التعامل مع مجموعة من القضايا والمشاكل في ذات الوقت، بغض النظر عن تفاصيل الموضوع وأبعاده، ويستطيع اتخاذ قرارات جريئة وصحيحة دون التباس بين المواضيع.

 

هو قادر على العمل في عدة قطاعات، يدير عدة شركات، ويرأس نادياً رياضياً، وجمعية خيرية، ويدعم نادٍ للشباب، ومدرسة للأطفال، وغيرها. ويدير كل ذلك في نفس الوقت، وبنجاح.

 

لا شك أن أكثر ما يزعجنا في العمل هو تشتيت الذهن، وعدم القدرة على العودة إلى حالة الصفاء الذهني التي نبدأ عادة يومنا بها، ولكن ماذا لو كان عملك يتطلب أن تتعامل مع كثير من القضايا في ذات الوقت؟

 

القائد الخيميائي هو قائد ماهر وفذ، يستطيع الحفاظ على صفاء ذهنه، ويتحكم بنفسه بطريقة جيدة، وينتقل من ملف إلى ملف بطريقة ذكية. عينه دائماً على المستقبل، ويداه تباركان الإنجاز في الحاضر.

 

الباحثان اقترحا أيضا طرقاً للتحويل، فيمكنك التحول من قائد استغلالي إلى قائد فدرالي، أو من خبير إلى منجز، أو من فدرالي إلى استراتيجي. وينصحان بالوصول إلى حالة "الاستراتيجي" لتحويل منظمتك إلى مكان مميز للعمل وبيئة جاذبة للموهوبين والكفاءات.

 

والأهم أنه بإمكان الموظفين تقييم قادتهم ومدرائهم، وتحديد أي نوع من القادة هم، ونصحهم -إن كانوا يجرؤون- على التحول إلى نوع أعلى وأكثر مناسبة للمنظمة.

فأي نوع من القادة أنت؟ وأي نوع من القادة مديرك؟



حول هذه القصة

حذّرت وزارة الخارجية الأميركية من نشر روسيا منظومة صواريخ الدفاع الجوي “إس 400” وصواريخ “إسكندر” البالستية في منطقة كاليننجراد الروسية، معتبرة أن ذلك “يزعزع استقرار الأمن الأوروبي”.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة