العدل أم المساواة "لعبة اللغة"

الإنسان كائن يحب اللعب، وهذه الهواية ترافقه من طفولته إلى كهولته. والفرق بين ألعاب الطفولة وألعاب الكهولة هو فرق في الدرجة. وفرق آخر هو أن ألعاب الطفولة تسمى ألعاباً، هكذا بدون مواربة، أما ألعاب الكهولة فتطلق عليها أوصاف أخرى مثل: الفلسفة، السياسة.. إلخ. والطفل الذي كان يمارس لعبة التخفي "الاستغماية" يكبر وتكبر معه اللعبة فتصبح فكراً، وبدلاً من أن يقول لك: إنني أرفض الحرية وأؤيد الاستبداد، فإنه يقول: الحرية ثمينة جداً إلى حد أنه ينبغي أن توضع تحت حراسة الدولة!
 

وبدلاً من أن يقول لك: إنني أرفض -لأسباب عنصرية- فكرة المساواة بين الناس، فإنه يقول لك: إنني أؤمن بمبدأ العدالة لا بمبدأ المساواة، لأن المساواة ليست دائماً عدلاً. حسنٌ، إنها لعبة التخفي باللغة إذن، وفي ألعاب اللغة يمكنك أن تكتشف ذكاء المثقف التفكيكي وخفة ضميره، لكنك بعد تأمل بسيط ستكتشف مكر اللغة نفسها. أجل قد يكون المثقف ماكراً لكنه لن يكون أمكر من اللغة مهما حاول، لأن أسرار اللعبة تظل دائماً بيدها. ولنأخذ على ذلك مثلاً قريباً هو عبارة "نطلب العدل لا المساواة" التي رددها في الفترة الماضية أنصار مقولة الحق الإلهي والامتياز العرقي في اليمن وبعض بلاد العرب.
 

التسوية هي جعل الناس سواسية على خط العمل والكسب، فالجاهل كالعالم، والكسول كالمجتهد، ومنزلة هذا كمنزلة ذاك، وهو ما يرفضه العقل والدين معا.

تبدأ اللعبة عندما يقول أنصار الحقوق والحريات إن قيمة المساواة هي الأساس الذي تقوم عليه منظومة الحقوق والحريات، المدنية والسياسية. وإن هذه الحقوق والحريات هي الأساس الذي يقوم عليه بناء الديمقراطية. فلا دولة مدنية بلا ديمقراطية، ولا ديمقراطية بلا حقوق وحريات، ولا حقوق بلا مساواة.
 

والديمقراطية بهذا المعنى هي النقيض الرسمي لمقولة الحق الإلهي في السلطة والثروة التي تقوم على أساس فكرة الامتياز العرقي، وهذا هو المطب الذي يحاول أنصار هذه المقولة عبوره بسلام. فتراثهم المذهبي، والثقافة التي نشأوا في ظلها يحتمان عليهم رفض الديمقراطية بهذا المعنى. وإذا كانوا قد استطاعوا خداع بعض المتدينين بالتشويش على النصوص الدينية التي تؤكد قيمة المساواة، فإنهم سيجدون صعوبة في إقناع الأسوياء بسلامة هذا الموقف، لذلك فإنهم يلجؤون إلى حيلة الفروق اللغوية، التي تقول: نحن مع العدل لا مع المساواة، لأن المساواة ليست بالضرورة عدلاً؛ فليس من العدل أن نسوي بين العالم والجاهل، أو بين المجتهد والكسول، مثلاً.
 

للوهلة الأولى يبدو منطقهم متماسكا، إلا أن الخدعة تنكشف عند معرفة أن المساواة التي يتحدث عنها الديمقراطيون هي المساواة بين الناس في القيمة لا في الكسب. وليس هناك ديمقراطي واحد يتحدث عن المساواة في الكسب. ومن ثم فلا قيمة حجاجية لعبارة "ليس كل مساواة عدلاً" لأن هذه العبارة تصدق فقط على مفهوم "التسوية" لا على مفهوم المساواة. والتسوية هي جعل الناس سواسية على خط العمل والكسب، فالجاهل كالعالم، والكسول كالمجتهد، ومنزلة هذا كمنزلة ذاك، وهو ما يرفضه العقل والدين معا.
 

مثلما أن بعض المساواة ظلم وبعضها الآخر عدل، فإن بعض العدل حق وبعضه الآخر باطل، بحسب دلالة السياق الذي ترد فيه الكلمة!

أما المساواة فهي النظر إلى أبناء الجنس البشري على درجة واحدة من القيمة، فالأسود كالأبيض، والقصير كالطويل، والقبيح كالجميل، والعاجز كالقادر، من حيث القيمة الإنسانية، ولا فضل لأحد على الآخر من هذه الناحية. هل تكتفي اللغة بهذا القدر من المكر الذي تمارسه ضد المتلاعبين بها؟ أبداً.. فها هي ذي توجه صفعة أخرى للقوم حين تخبرهم: إن كلمة العدل نفسها أخذت معناها -في لسان العرب- من معنى المساواة! فالعدل -بالكسر أو الفتح- هو المثل، وعَدَلَ الشيء بالشيءِ أي ساواه به. ثم أُخذ منه معنى القيمة، فالعدل -بالفتح- هو قيمة الشيء، وقيمة الشيء هي أقصى ثمنه! مما يعني أن صانع اللغة نفسه لم يفهم العدل إلا على أساس المساواة.
 

وحين يأتي القرآن الكريم ليتبنى هذا اللسان العربي، فإنما يتبناه على شروطه وقواعده. فإذا قال القرآن "واتقوا يوماً لا تجزى نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل" البقرة 48. فإن المعنى لا يقبل منها فداء نظير ما اقترفت من جرم، والنظير هو المثيل المساوي. ليس هذا فحسب، بل إن اللغة تذهب خطوة أخرى في النكاية بالمتلاعبين بها، حين تقول: إن العدل نفسه قد يكون في بعض سياقاته ظلماً وخطيئة!؛ مثل أن يعدل العبد بربه آلهة أخرى، أي يساوي بينه وبينها: جاء في القرآن "الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون" الأنعام 1. أي يسوون بينه وبين الآلهة الزائفة.
 

وقال ابن عاشور في تفسيره للآية: ومعنى يعدلون يسوون، والعدل التسوية، تقول: عدلت فلاناً بفلان إذا سويته به. ومعنى هذا أن كلمة العدل نفسها -التي يهرب إليها أنصار مقولة الحق الإلهي والامتياز العرقي- تُفسر حسب سياقها، مثل كلمة المساواة سواء بسواء! فمثلما أن بعض المساواة ظلم وبعضها الآخر عدل، فإن بعض العدل حق وبعضه الآخر باطل، بحسب دلالة السياق الذي ترد فيه الكلمة! والسياق الحديث الذي ترد فيه كلمة المساواة هو سياق الحقوق والحريات، التي تتعارض تماما مع خرافة الحق الإلهي في السلطة والثروة، كما يتعارض النور والظلام.



حول هذه القصة

تدعو الكاتبات الثلاث في مقالهن لإشراك الرجال والفتيان في مكافحة التمييز بين الجنسين، ويقلن إن عواقب التمييز ضد النساء لا تؤثر على حياتهن فحسب، بل أيضا على مستقبل الكوكب.

قال رئيس حركة العدل والمساواة بإقليم دارفور جبريل إبراهيم إن اتفاقا جرى بين الحكومة القطرية وحركتي العدل والمساواة وتحرير السودان بإعداد ورقة حول رؤية الحركتين لكيفية تحقيق السلام في الإقليم.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة