اتفق العرب على ألّا يتفقوا

سافرت كثيرا خلال عملي مع الجزيرة، وزرت العديد من المدن العربية خلال سفري، والتقيت مع أشخاص من مختلف الأطياف والأجناس، منهم من أذكره ومنهم غاب عن ذاكرتي أو تعمدت أن أغيبه، وكانت الصفة الجامعة لهم أنهم بسطاء وطيبون بالرغم من مظهرهم الخارجي الذي يدل على عكس ذلك، فمنهم من التقيت به ضمن ثورة من الثورات وهو يصدح بأعلى صوته طلبا للحرية، ومنهم من التقيت به وهو يحمل مدفعا رشاشا ضد حاكم دكتاتور، ومنهم من التقيت به وهو يحمل علم بلاده مشجعا فريقه المفضل، ومنهم من يحمل لوازم بيته هربا من صواريخ وقنابل لم يسمع بأسمائها من قبل.

ففي العراق مسقط رأسي وسبب الصداع المزمن الذي أصابني بسبب ما يمر به هذه السنوات، فعندما تزور أي محافظة من محافظاته يغمرك الناس بطيبتهم وكرمهم، وبعد دقائق من حديثك مع الناس حتى تبدأ الدعوات للجلوس وتناول الطعام، وهذا ينعكس في كل محافظات العراق، وعلى اختلاف مذاهبهم ودينهم، فلا يمكن أن تفرق إذا كان هذا الشخص سني أو شيعي، عربي أو كردي، مسيحي أو مسلم، فلا قيمة لهذه الأشياء أمام إنسانيتك، وأمام حب الناس على إكرام الضيف والتخفيف عنه.

ما أن تدخل السياسة من الباب تخرج المحبة بين مكونات الشعب من الشباك.

وليبيا ذاك البلد العجيب الذي يسحرك أهله بطيبتهم وقوتهم وحبهم للحرية واتفاقهم على حب التونة ودخان السجائر، فهناك جمال البحر في طرابلس وهناك الصحراء الجميلة وأشجار العوينة (الخوخ) في الجبل الغربي والزردة (النزهة) التي لا تكتمل إلا بإبريق شاي أخضر مع اللوز، فما بين مصراته وبني وليد والزنتان ونالوت وجادو وطرابلس التي زرتها لا فرق بينهم، وإن كانت لغته الأمازيغية أو العربية أو كان من جنوب ليبيا أو شمالها، من بدوها أو حضرها، أبيض البشرة أو اسمر، كلهم أهل خير ومحبة.

وتونس الخضراء بأشجار الزيتون التي تصطف كجيش أخضر تمتد خضرته بامتداد جذور أشجار الزيتون، بلد الثقافات والمزيج الغريب ما بين اللغة العربية والفرنسية في لهجة الكرام، فتشعر بخليط عجيب ما بين صولات وجولات العرب عبر تاريخهم ورقة وشاعرية الفرنسين، ففي تونس الكل مثقف فما أن تجلس على المقهى المطل على شارع الحبيب بو رقيبة حتى تشعر بأنك جالس على مقعد من مقاعد الدراسة الجامعية فالكل هناك شاعر وكاتب ومحلل.

أما مصر.. التي لا تنام وشوارعها المتشابكة وأهلها الطيبين.. كلهم يبحث عن الراحة وكلهم يبحث عن رزقه ولا يهمه من يحكم ففي مصر تسير الجموع كما يسير النيل بلا توقف متجاهلا ما حوله ومن يحكمه.. توحدوا من قبل في بناء الأهرام والسد العالي والحروب القومية وقناة السويس، وما زلت تراهم كتلة واحدة، فصعاب الحياة لا تفرق بين أحد منهم بل تأخذ نصيبها من عمرهم بالتساوي..

البحرين.. وعمان.. والأردن.. والسعودية وقطر وغيرها من الدول نسيج واحد متجانس.. تجتمع فيه الشعوب على اختلاف أطيافها ومكوناتها.. فالناس على طبيعتها وفي مكانها الطبيعي محبة للخير ومتعاونة ولا يفرق بينهم أحد ولكن هذه الصورة الجميلة سوف تختفي ما أن دخل سياسي بينهم، ولست هنا أنتقص من شعب معين أو طائفة معينة، ولكنها حالة سلبية تعيشها شعوبنا ولا علاج لهذه الحالة إلا بتشخيصها ودراستها بعيدا عن تدخلات الحكومات التي قد تشجع هذه الحالات طمعا وخدمة لمصالحها الخاصة، فما أن دخلت السياسة من الباب خرجت المحبة بين مكونات الشعب من الشباك.



حول هذه القصة

تناولت حلقة “فوق السلطة” تغير الموقف المصري من السعودية ودول الخليج، وعلاقات القاهرة بالجنرال المتقاعد خليفة حفتر، والتصريحات الطائفية بشأن معركة الموصل، ورؤية النظام السوري للاستقلال والسيادة، وانتخاب رئيس لبنان.

أسهمت الصراعات والحروب في تشويه هوية بغداد المعمارية وتلويث معالمها وجدرانها بمخلفات الحروب ودعايات السياسة والشعارات الطائفية، وقد سعى شباب “بصمة أمل” إلى إخفاء تلك الآثار عن المدينة بالرسوم والألوان.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة