أيرقدُ الشتاء وينام ليرفق بشعبِ الخيام؟!

كانَ ولا زال وسيظل الشتاء أكثر الفصول خيراً وكرماً وعطاءً، ننتظره بفارغ الصبر، لينعش الأرض ويسقي الشجر والزَهْر، نعشق رائحة أمطاره، نتنفس الصعداء ونحن نلهو وسط ثلوجه، نراقب زخات المطر الجميلة وهي تتساقط بكل حبٍّ على نوافذنا، ونحن نعانق أغطيتنا ومدافئنا، نستمتع بقدومه، ونسعدُ بحضوره، هو الزائر الكريم، والضيف العزيز، غزير الثراء، وجزيل العطاء.
 

في كل وقتٍ من هذا العام يجتهدُ أئمة المساجد في صلاة الاستسقاء طلباً للمطر والشتاء، ويكثرون الدعاء بأن يمنّ الله عليهم بسقيا رحمة لا سقيا عذاب، وعلى صعيدٍ آخر وفي بقعةٍ موحشةٍ على هذا الكوكب، بشرٌ يخافون المطر، يرتعبون من قدوم الثلوج، لا ملاذ لهم من البَرْد، لا مدافئ عندهم ولا شعلة حطب، غطاؤهم خيمة، سقفها باردٌ شفافٌ يروْن من خلاله سحابة وغيمة، حكاياتهم في الشتاء موجعة، ونكباتهم بحضور المطر لا تنتهي.
 

"كنتُ أشكو أن لا حذاء عندي حتى رأيتُ من هو بلا قدمين!"! هذه الكلمات كفيلة بمنحنا الشعور بالرضا عن حياتنا إذا ما عقدنا المقارنة بينها وبين حياة اللاجئين

فعلى الرغم من تأخر المنخفضات الجوية على بلدان المنطقة بما فيها الأردن التي تضم أعداداً هائلة من اللاجئين، إلا أن موقع طقس العرب للتنبؤات الجوية بيّن أنه في حال عدم تشكل المنخفض ستستمر الأجواء المستقرة المصحوبة بالأجواء الباردة نتيجة لتدفق رياح شرقية قارصة البرودة، فكيف لشعب الخيام أن يتحمل برداً لا يرحم؟ وكيف له أن ينام قرير العين بسلام واطمئنان وأوصاله ترتعدُ متجمدة راجيةً الدفء سائلةَ الله الراحة من هذا العناء؟؟
 

كلنا يشعر بالأسى والحزن على اللاجئين الذي شردتهم الحرب وأخرجتهم قسراً من بيوتهم الآمنة الهادئة، لا ذنب لهم سوى أنهم ضحايا لمعارك لا بداية لها ولا نهاية، لا شيء يعوضهم عن وسائدهم الحنونة، ولا جدران بيوتهم الحانية، إلا أنَّ الكثير من الدول تضع خطة طوارئ لمساعدتهم ومساندتهم في الظروف المناخية الصعبة، في محاولاتٍ منها للتخفيف عنهم وإعانتهم على تحمّل البرد القارص، فعلى سبيل المثال رصد الأردن 25 مليون دينار لشتاء اللاجئين، حيث قال المتحدث الرسمي للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين محمد الحواري أن خطة الشتاء لمساندة اللاجئين انطلقت بإجمالي يزيد عن 25 مليون دولار من الدول المانحة.
 

وبينَّ أيضاً أن الخطة ستشمل اللاجئين السوريين وغير السوريين، وأشار إلى أنَّ الخطة تشمل توزيع مساعدات نقدية للمساهمة في تلبية احتياجات اللاجئين خلال شتاء 2016-2017، وأوضح أن المفوضية بدأت بصرف المساعدات النقدية عن طريق بنك القاهرة عمان عبر دمجها مع مبالغ المساعدات النقدية الشهرية، مشيراً إلى أنَّ المساعدات تصل إلى 340 دينار أردني للأسرة الواحدة، وقال الحواري أنَّ نصيب اللاجئين السوريين في المناطق الحضرية والمحافظات الأردنية يصل إلى 14 مليون دولار.
 

قبل أن تشكو من الثلج الذي منعك من الخروج لتشتري كيس خبز تذكّر شعب الخيام الذين لا يشعرون بأمان البيوت، من يعيشون في أحضان رقعة خيمة متهالكة لا تستر ولا تقي من البرد.

إلى أي مدى تُسهم هذه المبادرات الإنسانية في تخفيف معاناة اللاجئين؟ ففي كل شتاء نسمع قصصاً مأساوية لا حصر لها ولا عد عنهم، أكثر ما يؤلم أن تسمع عن طفلٍ مات من البرد! ألا يتعارض هذا مع اليوم العالمي للطفل الذي صادف يوم العشرين من نوفمبر؟! فوفقاً لتقرير أصدرته منظمة اليونيسف: أنَّ الأطفال المتضررين من الحرب في سوريا تتراوح أعدادهم ما بين 4 إلى 8 مليون طفل، منهم من قُتل ومنهم من فقد أهله ويعيش كلاجئ في دولة لا يعرف فيها أحد، كما تؤكد المنظمة أن حوالي 2 مليون طفل لاجئ بحاجة إلى دعمٍ نفسي ومعنوي لمحو ما خلفته الحرب من آثارٍ نفسية جسيمة بهم، والأمر ذاته في العراق وفي فلسطين وفي كل بقعة على أرض المنطقة العربية التي تعيش اضطرابات الحروب ودمارها.
 

وأكثر من يتضرر من تلك المعارك الأطفال الذين سُحقت طفولتهم، وضاعت أبسط حقوقهم في العيش بسلام في ظل دولة توفر لهم المسكن والمأوى والمأكل والتعليم بعيداً عن أصوات القذائف والصواريخ التي لا تفرّق بين كبير وصغير، تطحن الجميع وتصيرّهم إلى أشلاءٍ متناثرة، يضيع في وسط قسوتها وعنفها الأطفال الأبرياء الذين لا حول لهم ولا قوة، ويضيع حقهم في العيش بحريةٍ وسلام.
 

عمق احساسنا بمشكلة اللاجئين يتعدى المساعدات الدولية فقط، بل هو بحاجة إلى تكاتف مجتمعي أيضاً، احساس الفرد فينا بعظيم أجر مساعدة لاجئ وتخفيف وطأة الشتاء عليه وتقديم كل ما بوسعنا للعائلات المتضررة من الحروب، قبل أن تشكو من ارتفاع الديزل وعدم قدرتك على استخدام التدفئة المركزية وتتذمر من رائحة الكاز والغاز المنبعثة من المدفأة العادية تذكّر شعب الخيام الذي لا يجدون شعلة نار، قبل أن تتذمر من المياه الباردة واستخدامك للسخّان الكهربائي لتدفئتها وما يترتب عليه من فواتير عالية في الكهرباء، تذكّر اللاجئين الذين يغتسلون بالثلج لتتجمد أطرافهم.
 

ارحم إلهي شعوب الخيام، احفظهم بعينك التي لا تنام، امنحهم السكينة والهدوء والسلام، اكتب لهم العودة لأوطانهم والاستقرار في أحضان بيوتهم، والتنعّم بدفء جدرانهم.

قبل أن تُطالب الحكومات بتشغيل المدافئ في المدراس لأطفالك المتلحفين بأجودِ أنواع الفرو تذكّر أطفال الخيام الذي لا يتعلمون ولا يذهبون لمدراس ولا يشعرون بطعم الدفء ولا لذّة العيش، قبل أن تشكو من أنَّ الثلج الذي يغطي الشوارع منعك من الخروج لتشتري كيس خبز و"هريسة" و"عوّامة" تذكّر شعب الخيام الذين لا يشعرون بأمان البيوت، من يعيشون ليل نهار خارجاً في أحضان رقعة خيمة متهالكة مُرعبة لا تستر ولا تقي من البرد، من يأكلون فتات الخبز المتجمد فلا حلاوة في طعامهم تمنحهم طاقة، ولا مشروبات ساخنة تدغدغ أنفاسهم الصقيعية.
 

"كنتُ أشكو أن لا حذاء عندي حتى رأيتُ من هو بلا قدمين!"! هذه الكلمات كفيلة بمنحنا الشعور بالرضا عن حياتنا إذا ما عقدنا المقارنة بينها وبين حياة اللاجئين، لا يمكننا أن نتصور أنَّ الإنسان الذي يعيش في ظروف معيشية صعبة سيكون بنفسية سوية وقلبٍ راضٍ وثغرٍ باسم، لا أحد يمكنه تصوّر الدموع التي يذرفها المساكين الذين يقطنون خيمة، لا نستطيع أن نتخيل حجم وجعهم والألم الذي يعتصر قلوبهم، لربما يتأخر الشتاء أكثر رِفقاً بهم، لربما يتثاقل المطر في خطواته ليمنحهم أياماً أكثر من الدفء بعيداً عن ضجيج زخّاته المتلاحقة التي تسقط على جماجمهم دون توقف، هو سيتأخر قليلاً لكنه سيأتي في النهاية، حينها سندعو الله كثيراً ونصلّي من أجلهم، سنتذكرهم في سجودنا ونبكي حرقةً على أوضاعهم المريرة.
 

سنسأل المولى أن يخفف عنهم برد الشتاء، وقسوة الثلج، فما خاب من رفع يديه راجياً رب السماء، وحده من يسمع الدعاء ويلبي النداء، ارحم إلهي شعوب الخيام، احفظهم بعينك التي لا تنام، امنحهم السكينة والهدوء والسلام، اكتب لهم العودة لأوطانهم والاستقرار في أحضان بيوتهم، والتنعّم بدفء جدرانهم، امنحهم الصبر والسلوان، واجعل الأسى لا يعرف لطريقهم عنوان.



حول هذه القصة

فاقمت الأحوال الجوية السيئة التي اجتاحت أجواء قطاع غزة الأيام الماضية من معاناة لاجئي الخيام في القطاع الذين شردوا من بيوتهم التي دمرها الجيش الإسرائيلي أثناء عدوانه الأخير على غزة.

حوّل اللاجئون القادمون بأعداد كبيرة إلى المحطة صالاتها الرئيسية إلى ما يشبه مخيما كبيرا اصطفت فيه سلسلة طويلة من الخيام الصغيرة يستخدمها أفراد وأسرٌ مأوًى لهم.

غيّرت الخيام الكبيرة المتراصة داخل القاعة الأولى بمطار تيمبلهوف في برلين ملامح واحد من أهم المطارات التي كانت بقلب العاصمة الألمانية لتحوّله إلى ما يشبه معسكرات اللاجئين بالأردن ولبنان وتركيا.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة