منذُ نعومة عقولهم

blogs - islamist
هناكَ مشاكل أكبر من أن نستطيع حلها بأيدينا نحنُ العوام، نحتاجُ من هم قد ألمّوا بزوايا الأفكار كلها أو أغلبها، ليس لشيء إنما لكي نستأصل كلّ ورمٍ فكريّ يبثّ لدى الشباب الجديد.

فعندما لا نعلم أن العديدَ من المتصوّفة ليسوا مشركين، وأن العديد من السّلفية ليسوا تكفيريين، حتّى أن هناك أكراداً ليسوا ملاحدة، وإخواناً مسلمين ليسوا مائعي الفكر، وأن هناك العديد من كل كأس ليس كنصفه، والتعميم قاتل، وعدونا لا ينظر لآفاتنا الفكرية التي تفرق بين أبناء المجتمع الواحد الذي هو من نفس العرق والديانة.. نغرق.

هذه المشاكل الكبيرة تولّد جانباً عاطفياً كاذباً لدى أصحاب العقول الخملة والنّفوس الضعيفة التي تُغريها الشّعارات والمظاهر حتّى ولو كانت كاذبة. بسبب جهلهم وانعدام خلفيّتهم الفكريّة.. فتنسيهم الرّحمة، وتجعلهم يعتقدون إعتقاداً جازماً وحازماً بأنّ الحياة كلها محصورة في أمور محدودة إلى أن يصبح أفُقُهم لا يمتدّ بعد أنوفهم، هذا الزرع البائس يلعبُ على مرحلةٍ عمريّة محصورة في سنّ المراهقة غالباً، ليؤسّسه ويزرع فيه بذرة الورم تلك، حتى لا يتمكّن أي إنسان مهما بلغ من الرّجاحة في عقله أن يتحداه بفكره، أو أن يغير مفهوماً ما خاطئ عنده.

لكي نوقف ورم التطرف، نحتاجُ لأمر يخرق العادة، لرجال يعيشون الواقعَ ويعلمونَ ماهيّته، لأناس همّهم نشر الأفكار الوسطية في هذا المجتمع.

فأيّ فكرِ متعفّن يتشرّبه الإنسان منذُ نعومةِ عقله لايمكنُ محاربتهُ بوسائل تقليديّة، فيومَ ستحاربه بقوّة السلاحِ سيظنّ أنه الغريب في دنيا الخراب.. وأنّ نهجهُ هو النّهج السليم الذي يُحارِبُ العالم كله من أجل القضاء عليه.

وإذا لجأت معه إلى المناظرات ستفشلُ وبقوّة؛ لأنّ فتورَ بنيته العقليّة تؤدّي لسحبكَ إلى عقر دار غبائه، فيصطادكَ بكمينٍ محكمٍ لايمكنكَ الهروبُ منه حتى لو معك الأدلة. ببساطة.. لأنّك تقاتله في مرتعِ غبائه اللامحدود، في حصونه التي بناها منهُ وأسّس بنيانهُ عليه، فلا يمكن للإنسان المتمّرس أن يُغلب في أمر اعتادَ عليهِ مع آخر لايعرف من الأمر هذا أصلاً ولا فصلا.

هذه التّيارات تُتنج في المجتمعِ قنابلَ يصعب السيطرةُ عليها، لأن حامليها غير مرئيين لنا.. أشخاصٌ وهميين على الشبكات، غير منخرطين بالمجتمع الذي صار بالنّسبة لهم في الهاوية والخراب، هم قنبلة موقوتة أيضاً لانعرفُ متى تنفجر لتحصد أفكاراً أو تزهقَ أرواحاً لاذنب لها، فينسب الفعل للدين، والدينُ السّماويّ منه براء.

غالباً ما تأتي هذهِ الأفكار على قالبٍ من ذهب، تأتي لامعةً دائماً باسمها وأهدافها وعنوانها، والفحش والأذى دائماً ما يكون مخبئاً وراء ستارها المخفيّ.. حتّى تجذب كل مهمّشي المجتمع لتصنع منهم أبطالاً ومسؤولي أفرع وقطاعات، فيُغسَلُ دماغهم ليصدّقوا أنهم أهلٌ لهذا.

ولكي نوقف هذا الورم فعلياً نحتاجُ لأمر يخرق العادة، لرجال يعيشون الواقعَ ويعلمونَ ماهيّته، لأناس همّهم نشر الأفكار الوسطية في هذا المجتمع، فالفكرُ المتعفّن كالفاكهة المتعفّنة.. تؤذي وتعدي الأقرب فالأقرب لها حتى يعمّ العفن على الجميع، لكننا إن استطعنا أن نجدَ أشخاصاً ينزعون هذا العفنَ منهم فسننجوا بقدرة قادر.